مشاهد / الليلة الثانية... بعد الألف

u064au0648u0633u0641 u0627u0644u0642u0639u064au062f
يوسف القعيد
تصغير
تكبير
| يوسف القعيد |

أستعير عنوان رواية الروائي التونسي الدكتور محمود طرشونة للكتابة عما جرى بعد الزوبعة التي وقعت في مواجهة الليالي، لتؤكد من جديد ما ليس في حاجة إلى تأكيد. ان الليالي ثابتة راسخة** وما أكثر المتغيرات، ولست في حاجة لإعادة ذكر ما جرى لليالي، عندما تقدم مجموعة من شباب المحامين بشكوى للنائب العام المصري ضد «ألف ليلة وليلة» ومن أعادوا نشرها أخيرا، مع أن الأسواق مليئة بطبعات مختلفة من جميع العواصم العربية تقريبا أو معظمها لليالي، وبعضها مهذب ومحذوف منه ما يتصور الناشر أنه لا يجب نشره. وبعضها التزم بالنص الكامل.

لا أعرف ماذا كان قرار النائب العام بشأن الشكوى: هل حفظ الشكوى التي قدمها عدد من المحامين الشبان الذين قرروا البحث عن الشهرة بأي وسيلة وبأي طريقة. المهم إمكانية الشهرة. وغيبوبة الاشتهار في المجتمع حتى لوكانت الضحية هي الليالي. وإن كان من المؤكد أن الشكوى لم تحول لإجراء تحقيق حولها بعد. وقد حاولت جاهدا الحصول على رد واضح من مكتب النائب العام بحفظ الشكوى أو تحويلها للتحقيق. وحتى لحظة كتابة هذا الكلام لم أحصل على رد شاف واف.

عدم وجود رد من مكتب النائب العام عليهم، جعل شباب المحامين يرسلون لمكتب شيخ الأزهر عن طريق محضر، طلبا للإجابة عنه، وهو هل الشيخ محمد قطة العدوي محقق النسخة الأصلية لليالي من علماء الأزهر أم لا؟ وطبعا لم يتم الرد على هذا الطلب الغريب. الذي يعكس حالة من الرغبة في استمرار التواجد الإعلامي. بأي شكل وبأي طريقة. ويبدو أن الذي دفعهم لإرسال هذا الطلب أننا كلنا كتبنا أن محقق الليالي الذي يعترض عليه المحامون كان من علماء الأزهر الشريف. ولو أنهم كانوا يعرفون من الأصل لتقدموا بشكواهم للأزهر. وهذا معناه أنهم دخلوا على قضية ليست لديهم معلومات دقيقة حولها. وردودهم جاهزة على هذا الاتهام بأنهم ليسوا علماء في التراث العربي والإسلامي. وأنهم دخلوا اللعبة كونهم يشتغلون بالمحاماة أولا وأخيرا. وهذا جهل فاضح يدين الجميع.

هذا هو الفعل فماذا عن ردود الأفعال؟ صدرت طبعة جديدة من الليالي من الثقافة الجماهيرية. وأعتقد أنها كانت ستصدر بصرف النظر عن الشكوى الغريبة. لأن الطبعة الأولى نفدت تماما. وكان من الطبيعي صدور مثل هذه الطبعة وأيضا لدى الثقافة الجماهيرية الطبعة الهندية من الليالي. وقد نفدت أيضا منذ سنوات ويمكن إصدارها أيضا بعد إصدار نسخة الليالي التي حققها الشيخ محمد قطة العدوي في أواخر القرن التاسع عشر. ونشرت في أوائل القرن العشرين. أي أنه مضى على نشرها أكثر من قرن من الزمان.

المحزن لحد الرغبة في البكاء أنه لم يتحرك أحد عند صدور طبعة الشيخ محمد قطة العدوي عن مطبعة بولاق. وعن نفسي شاهدت طبعة منها لم تكن الأولى طبعا تعود إلى سنة 1908. فهل نحن الآن وراء سنة 1908 بدلا من أن نكون بعدها بقرن وعامين من الزمان؟ هل يتقدم العالم كله إلا نحن؟ نمشي إلى الوراء. وإلى متى نمشي إلى الوراء؟ أخشى أن نصل ليوم لا يصبح وراءنا وراء. نعود إليه ولا أعرف ماذا سنفعل في هذه الحالة؟ هل يخترع كل منا وراء له ليضمن مساحة يتقهقر إليها كلما هاجمه أهل الظلام؟ ومن يشغله خلق وراء لن يتمكن من أن يكون له حاضر حقيقي ولن يصبح من حقه أبدا الحلم بمستقبل.

دار الكتب تطبع الآن النسخة الهولندية من الليالي وكانت قد صدرت منذ أكثر من عشر سنوات مضت. بالتحديد سنة 1997. عندما كان الدكتور جابر عصفور مسؤولا لفترة قصيرة عن دار الكتب المصرية. وأخيرا قرر الدكتور محمد صابر عرب رئيس دار الكتب. إصدار طبعة جديدة من الطبعة القديمة. التي صدرت بطريقة التصوير عن النسخة الهولندية من الليالي.

بمناسبة هذه المعارك نشرت جريدة القاهرة النص الكامل لحكم المصادرة. وحكم إلغاء المصادرة لليالي. وخصصت أخبار الأدب عددا خاصا لليالي وأفردت مجلة المصور ملفا كبيرا عن الليالي. وناقشت جريدة الشروق قضية هل تعتبر الليالي نصا مقدسا؟ تنوعت الإجابات عنه. لكن المعركة أوشكت أن ترحل من الوجدان. تاركة قضيتين معلقتين:

أي النصوص نتعامل معه على أنه نص الليالي الأصلي. الذي يعتبر تراثا لا بد من التعامل معه باحترام وعدم الاقتراب منه بالحذف أو الإضافة. والوقوف أمامه باعتباره من ثوابت التراث العربي. ومشكلة الليالي أنها لا مؤلف لها. وأن النص اخترق حضارات مختلفة وبيئات متباينة. ولذلك يبقى السؤال بلا إجابة: أي النصوص يمكن اعتبارها الليالي الحقيقية؟ هل هي النص الهندي أو الهولندي... الهندية أو الهولندية لا تخرج عن كونها مكان النشر؟ أم نسخة الشيخ محمد قطة العدوي؟ إن هذا الأمر لن يحسمه سوى جدل ثقافي عام. أو مؤتمر يتم الإعداد له بهدوء وروية بعيدا عن صخب المعارك اليومية بحثا عن شهرة متاحة وأدوار لم تعد مستحيلة حتى على طلب الشهرة.

تبقى القضية القديمة المتجددة. عن الموقف من هذا التراث. ونزع القداسة عن الليالي. لا يسحب منها صفة التراث أبدا. ما حدود حقوق التراث علينا وواجباتنا نحوه؟ لقد تناثرت في المعركة الأخيرة آراء بالغة الخطورة. ربما كانت أخطر من الشكوى المقدمة من المحامين العشرة. مثال ذلك التحدي الذي أعلنه أحدهم بأنه يتحدى أي كاتب أن يُضمّن ما في الليالي لمقال من مقالاته. وأيضا ما قيل عن رفض تدريس الليالي في المدارس ردا على توصيات صدرت عن مؤتمر اتحاد الكتاب الذي طالب بتدريسها في المدارس وأنا لم أحضر المؤتمر. والاتحاد لم يرسل توصياته لأعضائه. ولكن الطلب فيه من المغالاة. ما اعتبرته نوعا من رد الفعل المبالغ فيه حتى يكون في مستوى الفعل الأصلي. أيضا ما قيل خلال المؤتمر نفسه بالمطالبة بإنشاء محاكم يتولاها المثقفون لمواجهة مثل هذه القضايا التي يمكن أن تشكل نواة لمحاكم تفتيش جديدة. يلعب المثقف فيها دور البطل. بدا المثقف المصري عاريا في مواجهة المعركة. أين المثقف العربي؟ أين المثقف العالمي؟ بل أين رعاة حقوق الإنسان الذين لم يدافعوا عن حق شهرزاد في الحياة؟
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي