أعادت «ريحة» البحرين لبعض البيوت في مدينة المحرق القديمة

الشيخة مي الخليفة: أنا كوزيرة للثقافة والإعلام لا أجلس في مكتبي لأستقبل ضيوفي أنا كادحة حالي حال غيري

تصغير
تكبير
| البحرين - من ليلـى أحمــد |

حفرت وزيرة الثقافة والاعلام بمملكة البحرين الشيخة مي بنت محمد الخليفة في صخرة الايام والظروف القاهرة منذ عام 2002 حين كانت موظفة بدأت العمل للمرة الأولى بقطاع الثقافة والتراث الوطني التابع لوزارة الاعلام - آنذاك- في مملكة البحرين ، فتمت «مكافئتها» بالطرد من الوزارة لاهتمامها و«إلحاحها» لمنع إعدام البيوت التراثية وإزالتها من الأرض في الشقيقة البحرين التى تحفظ كنزا تراثيا طبيعيا كبيرا من بين كل دول الخليج ...

انشغلت الشيخة مي الخليفة لحظتها في التركيز في تأسيس مشروعها الخاص في الاهتمام بالمراكز التراثية ... فاهتمت بشراء البيوت من جيبها الخاص كما فتحت باب التبرعات والتمويل من الشركات والبنوك والخيرين للشراء أو لعمليات الترميم فأسست مركز الشيخ ابراهيم للثقافة والفنون. في مدينة المحرق القديمة... فأقامت وحدها أحياء كاملة وانتشلتها من ... برودة الموت الابدي.

هي الشيخة مي الخليفة التى آمنت بأن إعدام البيوت والـ«فرجان» الحواري والقهاوي والمدارس القديمة جريمة رسمية معلنة بحق ذاكرة الوطن والشعب بجميع اجيالة .

بعد تأسيس المركز انشغلت الشيخة مي بترميم بيت الشيخ ابراهيم - وهو بيت جدها - وشراء وترميم بيت الشعر وهو عائد للشاعر ابراهيم العريضي... وبيت أبو الارامل والأيتام سلمان بن مطر وبيت القهوة وبيت الكورار وهو للحرف القديمة وبيت المطرب محمد بن فارس لفن الصوت الخليجي والكثيرون غيره...

مي... لؤلؤة بحرينية لم تترب في طفولتها في بيت تراثي ولم تزر بيت جدها الشيخ ابراهيم الذي توفي وترك بيته مهجورا ... كانت تقيم مع عائلتها بمنطقة «الجافور» قرب احدى القلاع الحضارية الموغلة في القدم، الا ان حدسها وقراءاتها فيما بعد جعلتها تفتح عينيها للثروة المعمارية التى مازالت متوافرة على الارض في البحرين من بين أغلب دول الخليج.

دانة البحرين لديها أحلام كثيرة منها طريق اللؤلؤ... وشراء بيت الجلاهمة و... الكثير من الاحلام، ولا تنسى ذكر الكثير من التمويل الذي حصلته من الشركات البحرينية ومن الكويت كبنك التمويل والشيخة حصة وزوجها الشيخ ناصر والشيخة سعاد الصباح التي اشترت بيت الشعر لابراهيم العريضي واهدتها اياها ... حكومة وناس اخيار مؤمنون بما تقوم به من حفاظ على التراث.

هي وزيرة الثقافة والاعلام وكل أعمالها التى قامت بها خاصة جدا ومن دون ربحية ونجحت في الحصول على تسجيل المراكز التراثية في سجل التراث العالمي ... وما زالت تسعى ليشم الناس «ريحة البحرين الأصيلة» وكل ما عملته لا علاقة لة بوزارة الثقافة البحرينية ولا بأي جهة أو مؤسسة حكومية كما قالت لـ«الراي» وزيرة الثقافة في مملكة البحرين الشيخة مي بنت محمد الخليفة وهنا نص الحوار :



• سمعنا عن خلاف حدث بينك وبين الوزير السابق وكان وراء استبعادك من المؤسسة الرسمية؟

- سأجيبك باختصار لربما تتضح سبب «طردي» من الوزارة، ...أنت اذا كان لديك لديك هدف تعملين عليه، وتبذلين جهداً كبيرا لتحقيق ذلك ، ثم تجدين من « يكسر مجاديفك» فحتما النتيجة إن من يعمل بجد يطرد من عمله ... هذا بالضبط ما حصل لي .

وأضافت الشيخة مي : وكانت لي أهدافي الوطنية لكي أصنع مركزاً إقليمياً للتراث في البحرين، وأدعو له لجنة التراث العالمي، لتسجيل مواقع أثرية بالبحرين لتحسب ضمن قائمة التراث الإنساني. أي سيكون «وقفا دوليا عاما لصالح بلادي البحرين» وفجأة يأتي شخص لا يفقه شيئاً بتلك المواضيع ويقول بأننا لا نريد مركزاً إقليمياً ولا نريد لجنة للتراث ولا أي شيء، فيكون الرد علية تلقائياً «Thank You Very Much» لتكملي المشوار لوحدك دون مساعدة من احد.

• حدثينا ... عن المشاريع التي قمت بها بمفردك بعيداً عن مساعدة الحكومة ؟

- قمت بتأسيس المركز الأول للتراث وبدأت في بيت جدي الشيخ ابراهيم ، قمت بشراء البيت ورممته، والداعم الأول لي كان زوجي بهذا المشروع، بعد شرائي للبيت بأموالي الخاصة طرحته كمشروع وطني، ويجب أخذ الملاحظة إنني صحيح قمت بشرائه لكنه لا يخص الأسرة، لذلك قررت مدّ الجسور مع القطاع الخاص، وبالفعل قمت بدعوة الكثير من الشركات والبنوك ورجال الخير وأبلغتهم بأن المبنى مهدد بالإزالة التامة، كما أخبرتهم أني قمت بشرائه واحتاج لدعمهم لعملية الترميم. فلاقى الأمر استحسانهم وتلقيت مساهمات بسيطة في البداية، الا إني لم أيأس فأكملت عملية الترميم من جيبي الخاص، إلى أن علم بالأمر سمو ولي العهد فقام مشكورا بتبني بقية عملية الترميم بأكملها. وهذا ما حفزني للانتقال في ترميم بيت آخر ... وتوالت السبحة كما فعلت مثلاً في بيت محمد بن فارس وغيره. وبيت محمد زايد وبيت بن مطر... فبدأت بتقوية أواصر العلاقة الطيبة بمد الجسور مع المؤسسات الخاصة والشركات للمساهمة في استكمال عمليات الترميم لحييّ بكامله، فكان إن تولد لدينا مشروع كامل للاستثمار في الثقافة .

وتضيف الشيخة مي: ولله الحمد وثقت بي الشركات والبنوك بعد أن رأوا ان تمويلهم للمشروع التراثي أصبح واقعا على الارض في نفس مواقعها بمدينة المحرق القديمة ، وعلموا ان «لا لعب بأموالهم» بل إننى أقدم لهم مشروع الترميم كاملا وكلفته، وعلينا الاشراف فقط وهذا أكسبني ثقتهم.

واستطردت الوزيرة البحرينية: كما علموا ووثقوا اننا جهة غير ربحية بمعنى اننا نقيم الندوات والمحاضرات والانشطة العالمية والعربية والمحلية لتقوية أواصر حوار الحضارات ويحضرها الجمهور بالمجان ، ويمكنهم التجول في جميع ما صنعت فأصبحت المراكز التراثية بعد الانتهاء من عمليات الشراء والترميم والتأثيث مدينة مفتوحة يمكن للجميع زيارتها .. الامر شجعني كثيرا فاستلمنا متحف موقع قلعة البحرين من A إلى Z. وللعلم فهذا المتحف كان السبب الأول في خروجي من العمل، وذلك لأني كنت أسعى لأن أبني متحفاً هناك، لكن الوزير السابق قال بان ذلك ليس من ضمن صلاحياته.. كيف لوزير معني بشؤون الاعلام والثقافة ولا تدخل المتاحف ضمن صلاحياته...؟

• ما الطموح الذي ترغبين بالوصول إليه من خلال إعادة ترميم المراكز التراثية؟

- مع إنشاء المركز الإقليمي فطموحنا خدمة منطقة الخليج كلها، وكما هو معروف فإن البحرين إيراداتها محدودة، لذا قمت بمد الجسور مع دول منظومة التعاون الخليجي، وأخبرتهم بأنه يجب عليهم إدراج المواقع الأثرية في سجل التراث العالمي لحفظها من الإزالة ، وأول دولة تعاونت معنا كالعادة هي الكويت الحبيبة التي تعتبر الداعم الاول والأساسي للبحرين.

وتكمل بالقول: ففي الغالب يذهب الدعم عادة للتعليم وللصحة وما إلى ذلك، أما للثقافة فالوضع مختلف ، إذ عند البعض تعتبر الثقافة ... ترفا!... الا ان الكويت فهي الدولة الوحيدة التي استطعت مقابلة أميرها سمو الشيخ صباح الاحمد الصباح بمساعدة الشيخة حصة وزوجها الشيخ ناصر وهم الذين ساعدوني كثيرا جدا للحصول على الدعم والتمويل . ففضل الكويت على البحرين كبير جدا، ولا أنسى أبدا ما قامت به الكويت عندما عرّفت بجدّي الذي لم يكن معروفاً في البحرين، فصوروا مسلسلا دراميا قبل 30 سنة عن شاعر المحرّق، فقامت بالتعريف عن تاريخه كاملاً، وأهدوه للبحرين في عيدها الوطني.

• ما البيوت التي قامت الكويت بدعمها من خلال الشراء أو الترميم ؟

- بيت الشاعر ابراهيم العريضي وهو من إهداء الشيخة سعاد الصباح وأصبح الان اسمه بيت الشعر ونقيم به أمسيات شعرية، وبين محمد بن فارس لفن الصوت الخليجي وقدمته لنا الشيخة حصة الصباح، وكذلك مولنا بيت التمويل الكويتي وصندوق الإنماء وجميعهم آمنوا مثلي بفكرة الحفاظ على تراثنا المعماري، و قاموا بدعم عدة بيوت تراثية منها بيت القهوة، وبيت الكورار... وهو للحرف القديمة. والكثير من البيوت التي لاقت دعما من خيرة نساء ورجال وبنوك وشركات الكويت ..

• جاء لك دعم من الكويت على أي اساس تم ذلك ؟

- الكويت تفهمت مثلي إن هذا يعتبر إرثاً خليجياً يجب المحافظة عليه، لأنه يجب التكامل في موضوع التراث فخليجنا واحد، كما انني حين أذهب للخارج لايقولون «مي ... القادمة من البحرين»...بل يقولون جاءت من الخليج ... وهكذا تعمل الصديقة الشيخة حصة الصباح من الكويت بنبل وإيمان حقيقي في الحفاظ على التراث الاسلامي ... نحن نتكامل في عملنا ونظهر للعالم الخارجي اننا من الخليج من دون اي تجزئة ..

• ما المشاريع المقبلة التي تعملين عليها؟

- هناك مشروع قدمناه لإمارة أبوظبي اسمه «طريق اللؤلؤ» وهو مشروع خيالي امتداده 3.2 كم ويمر على 18 بيتا لصناعة اللؤلؤ مختلفين في تخصصاتهم مثل.. بيت النجار من صناع السفن وبيت الطوّاش وبيت النوخذة إلخ، وهدف المشروع هو المحافظة على هذه البيوت لتكون مركزا للمعلومات عن كل حرفة. فنحن محظوظون في البحرين باننا ما زلنا نمتلك تلك البيوت القديمة على عكس غالبية دول الخليج التي اندثرت بها معالمها القديمة.وهذه جريمة حقيقية بحق ذاكرة الوطن والشعب.

وتضيف قائلة: وقد قدمنا هذا المشروع لـ«يونيسكو» في ثلاثة مجلدات، الأول كان عن هذه البيوت مع خارطة لها، والثاني يضم المعلومات التي تخص الموضوع، والثالث شرح تفصيلي للمواقع الطبيعية، وقد نال إعجابهم.

وتستطرد بالقول: هذا كان حلماً لي من خلال التأكيد على وجود تراث قديم للمنطقة و«اللوغو» ... شعارنا هو اللؤلؤ الذي يجمع كل دول الخليج ، فلماذا لا يسجل في التراث العالمي. والشخص المؤهل للعمل عليه بإشرافنا هي سيدة ألمانية تحمل شهادة BHD في إدارة المواقع، فحضرت وأقامت في المحرق ودارت على جميع البيوت القديمة وسجلت كل شيء وهو حلم أتمنى أن يتحقق الا انه يحتاج لتمويل كبير.

• شيخة مترفة مثلك .. ما الذي جعلك تقدمين على تبني هذه المشاريع؟

- أنا لم أختر تلك المشاريع ، بل هي من اختارتني، فأنا لم يكن لي بالنشر أو بالكتابة أو بالتاريخ أو أي شيء، حتى عندما كان والدي على قيد الحياة لم اسأله على شيء، بل ذهب إليه زميلي في هذه المشاريع التراثية السيد حسن كمال ليقابل كبار السن وليشاهد بيوتهم، كذلك لم أسأل يوماً عن بيت جدي أو والد جدي، لدرجة حتى موقع بيت جدي في المحرق لم أره في طفولتي بسبب وفاة جدي اذ كنا نعيش في منطقة أخرى قرب القلعة ، ولم أبدأ بالاهتمام بقيمة ما نملك من ثروة معمارية. وهدفي الأكبر أن أعيّش هذه البيوت من جديد.

والبداية - تكمل الشيخة مي- كانت مع الكتب ثم تطورت وأصبحت على الارض مع المراكز وتطورت إلى المؤسسة الرسمية... أنا كثيرا ما أنسى اني وزيرة للثقافة والاعلام ويجب عليّ استقبال الضيوف في مكتبي ... أبدا ... فأنا أعتبر نفسي كادحة حالي حال غيري وحياتي مليئة بالأشغال.

• كان بيت طفولتك قرب القلعة .. فهل لعبت يوما هناك في صغرك؟

- لا ... على الاطلاق ... إذ انني كنت أقطن في منطقة تدعى «الجافور» وهي فعلا قريبة من القلعة.، لكن لم يتسن لي رؤيتها في طفولتي ، إن اهتماماتي جاءت على كبر، ويبدو اني وفيّة - بطريقة ما- إلى المواقع التي كان يقطنها أهلي، ففي المحرق كان يقع بيت جدي، ... الذي لم أره في طفولتي وكذلك أخوتي لم يروه، وفي «الجافور» بيت والدي والذي عشت به.

أثناء الحوار طلبت الشيخة مي بأدب جمّ أن أقول مي بدون ألقاب فـأكملت : في ذلك الوقت أيام طفولتي وصباي كان «الجافور» من أجمل الشواطئ، الا انه مع الأسف أصبح الآن عبارة عن مدافن، كما تغيرت معالم البحرين، لذلك أشعر بانه على عاتقي مسؤولية إدراج هذه المواقع لتكون ضمن الأماكن التراثية في السجلات العالمية.

• ماذا يعني لك موقع القلعة؟ وكيف تمّ بناء المتحف فيه؟

- الموقع جزء من مشروعي فهو تراثي إنساني يمكن أن نصفه بسجل تاريخي للحقب التي مرّت في الخليج. لذلك عندما تحافظين عليها وتحاولين ادراجها في قائمة التراث الإنساني والعالمي، يتطلب ذلك أن تحاربي في عدة أمور وعلى أكثر من جبهة ، منها أن تحافظي على الواجهة البحرية وأن تستوفي الشروط المطلوبة وأن تبني متحفاً. وللعلم المتحف الموجود في القلعة تم بناؤه من أوله إلى آخره على نفقة القطاع الخاص تحت مسمى مشروع «الاستثمار في الثقافة» وأنا حينما تسلمت حقيبة وزارة الثقافة والاعلام صعقت لأن الوزارة لا تمتلك الميزانية المادية لإرثنا الحضاري و... التراثي، والشيء الوحيد الذي نجحت بتمويله من خلال وزارة الاعلام هو بناء المسرح الوطني.

• أليس لك عتب على مجلس التعاون الخليجي؟

- لي عتب شديد عليهم، فكلما حاولنا في الاجتماعات التي حضرتها في مجلس التعاون أن نخرج بشيء لحفظ تراث المنطقة نفشل فشلا ذريعا. على سبيل المثال حضرت في إحدى المرات اجتماعاً كان من المفترض ان يروّج للخليج ككل في الهند. فأنا أريد أن أعمل بروح الفريق وأن أقدّم كل ما عندي لكن «الباجيت» الميزانية التي قدموها لا تساعد على عمل مشروع أصلاً، وبعدها ... ولإيماني بالمشروع أخذت المشروع ... كشخص فردي وشاهدت الموقع وأعددت له كل شيء، لكن «اخترب» المشروع بأكمله بعد خروجي من الوزارة . لذلك وبشكل عام أقول دائماً ... إن العرب جميعا وليست فقط دول مجلس التعاون الخليجي لا يملكون تخطيطاً مسبقا للأمور، فالأشياء لا تكتمل فجأة، إذ يجب الإعداد لها خصوصاً مثل تلك المشاريع.

وتستطرد مي في التعبير عن همومها الوطنية : عندما كنا نرغب في الدخول الى لجنة التراث العالمي، كانت هناك حملة انتخابية على مدى سنة فانشغلوا الجماعة عندنا في الانتخابات الا انني لم أتوقف ، فقد بدأتها بحجز مكان بــ«اليونيسكو». وفي اجتماع في «نيوزيلاند» دعونا أعضاء المنظمة على العشاء وكنت قد أحضرت كل شيء من البحرين بهدف الترويج لمنطقتنا من خلال صور لمواقع أثرية قديمة جدا كالقلاع والمواقع التراثية وكل ما يصل بهما ، وأردت توصيل رسالة لهم بأننا نمتلك شيئا على الارض في بلادنا وأنا حاضرة هنا للترويج لمواقعنا ولإطلاعكم عليها.

وأضافت مي : لكن في الوقت نفسه تساءلنا ... ما الشيء العلمي الذي ستقدمينه لهم ؟

وتكمل مي الخليفة: فقمت بإعداد ووضع مجموعة من الدراسات القيّمة بمساعدة الخبراء الذين كانوا معي ... لانه لا يجوز التقدم للجنة التراث العالمي وأخاطبهم لو لم أكن مقنعة لهم . والحقيقة اننا بذلنا جهدا جبارا ... فأنا سأترجم التقارير الدولية وأنا سأنشئ مركزاً إقليمياً وسأدعو لجنة التراث العالمي لبلادي ، فعندما أتقدم بثلاثة سيناريوات كبرى فهي مهمة ومسؤولية وطن أحمل جميله في عنقي، وعندما أوفي بكل طلباتهم العلمية والفنية والثقافية والتقنية يعتبر ذلك مصداقية للدولة التي أمثّلها وهي البحرين.

واضافت : كما انني أريد أن يكون لي رصيد في ذاكرة الناس في وطني وفي الخليج لذا كان عليّ الاستمرار في شراء البيوت والحفاظ عليها من خلال الترميم فجهودي مع فريقي العامل معي وكل منجزات أعمالي أصبحت واقعا «ينشاف» على الارض في المحرق القديمة ، وهو واقع تستحق عليه البحرين الانضمام للجنة التراث العالمي، والحقيقة حين يهتم مواطن بتراث بلده فهم في المنظمات الدولية يبدون أقصى درجات الاهتمام فيقدمون كافة المساعدات العلمية ويلبون لي أي شيء لأنني التزمت معهم حتى في فترة خروجي من الوزارة، فالمصداقية هي من تعطيك كل الفرص وغيابها تغلق الأبواب أمامك.

• أنا مثلك... خاب املي في إزالة البيوت التراثية بغالبية دول الخليج ومع هذا لا يوجد جهة ترعى ذلك في مجلس التعاون الخليجي كما اليونيسكو؟

- مع المركز الإقليمي للتراث يمكن أن يؤسس لأمر قد يمتد لكافة دول المنطقة ، لكن للأسف الكثير من المباني والمواقع الجميلة جداً أزيلت من الأرض في البحرين ودول الخليج . ونحن في بلد مع الأسف ترين الوزارات الحكومية تحارب بعضها البعض، في الوقت نفسه الذي تحاولين فيه المحافظة على شيء ما، فتأتي البلدية لتردعك. وعلى سبيل المثال أذكر سوق «القصر» وهو من أقدم الأسواق في البحرين، جاء الوزير ليطالب بإزالته وبناء مبنى حديث مكانه... هل هذا يجوز ... قيمة تراثية بكل خصوصية تاريخ شعب ووطن تنعدم لأجل مبان تجارية حديثة.

وأضافت مي الخليفة: نحن نمتلك قانوناُ للآثار، ومن المفترض تفعيله، فنحن في البحرين لا نمتلك نفطاً ولا ذهباً وكل ما نملكه البشر والحجر فوق الأرض وهذا ما أستميت للحفاظ عليه.

• لماذا تحتاجين دعماً مادياً إضافياً ؟ وما الذي ستقومين بالفعل به؟

- عند زيارتك لمتحف البحرين الوطني، سترين خارطة البحرين كاملة وعليها المواقع الأثرية والمشاريع المستقبلية، ومن بينها المركز الإقليمي وهو من تصميم «توتاند أندو» المصمم العالمي وبدعم من المملكة العربية السعودية، كما سترين متحف «تلال عامر» الذي ستدعمه الكويت وغيرهما الكثير الذي يحتاج الى دعم مالي فوري قبل إزالته من الارض .

وإن تحققت هذه المشاريع - تقول مي- خلال ثلاث سنوات، سنكون قد غيّرنا واجهة البحرين وهذا كله بدأ بمجهود أهلي بسيط بدأ الناس الخيرين من رجال الاعمال والشركات والبنوك يأتون لمساندته. وهدفي الآخر والمهم جدا من هذه المشاريع أيضاً هو دعوة السكان الأصليين للعودة إلى بيوتهم الأصلية.

• أثناء تجوالي في مواقع المراكز التراثية شعرت بـ«أنسنة» البيوت والمراكز التراثية من خلال الناس المقيمين في بعض البيوت القديمة فهل هذا هدف تضعينه نصب اهتماماتك ؟

- نعم هذا صحيح، وملاحظتك دقيقة، فهي ليست أماكن صناعية جافة وخاوية من البشر وهذا من أجمل الامور فيها، ففي بعض الدول قاموا بصناعة الاحياء التراثية على عكس البحرين التي ما زالت تمتلك ثروة معمارية على الارض . فلماذا لا يعود السكان الأصليون إلى المنامة والمحرق وإلى «الفرجان» القديمة ليعيشوا كما عاشوا آباؤهم وأجدادهم بنفس الاحياء القديمة... هدفي الوطني أن نعيش ريحة البحرين الاصيلة.

• ما الدعم الذي تحتاجين له في الوقت الراهن لأحدث مشروع ؟

- أحتاج دعماً لشراء بيت الجلاهمة الذي هو من اهم أولوياتي حالياً ويبلغ سعره ما بين 550 و600 ألف دينار بحريني، أما بالنسبة لترميمه فقد تبرع به رجل أعمال إماراتي جاء خصيصاً إلى البحرين لمشاهدة البيوت الأثرية، وتبرع بكلفة ترميم البيت كاملاً على حسابه. كذلك استأجرت منذ فترة مبنى سأحوله إلى مطعم بحريني يخدم المكان، وكذلك يوجد بيت حجازي وبيت الصوفية وحرف الديار الذي سيفتتح قريباً. إضافة لذلك كله عندنا متحف تابع للمؤسسة الرسمية يدعى «مودرن آرت ميوزم» إذ قاموا بعمل «الكونسرت» الأول له، وكان الدعم من أحد البنوك وكان من المفترض أن يموّل المشروع بأكمله لكن مع الأزمة الاقتصادية توقف ذلك، واتمنى أن يعود البنك مرة اخرى لتمويله.

• هل هذا العمل كله تحت غطاء الحكومة؟

- أبدا الحكومة... وزارة الثقافة لا علاقة لها بكل ما أعمل في المراكز التراثية وكله شغل خاص وبجهد ومتابعة حثيثة مني، فلقد بدأنا بجهود فردية ذاتية وبعدها لجأنا للقطاع الخاص للحصول على التمويل اللازم للترميم وطبعاً دخلنا في أمور القروض ومتاهات -لا يعلم بها الا الله- مثلما حصل معنا في معرض المهندسة العراقية العالمية زهاء حديد إذ لم نجد الراعي للمعرض فاضطررنا لأخذ قرض بقيمة 150 ألف دينار لتجهيز المعرض، وهذا كله ليس بمشكلة لدينا. لكن كل الاعمال هي من جهد خاص وتندرج تحت اسم «مركز الشيخ إبراهيم للثقافة والفنون»، وكل بيت من هذه البيوت مسجل باسمي. وكل الأعمال التي تقوم بها المؤسسة غير ربحية ومسجلة في التراث العالمي فهي اذا .. وقف لبلادي في منظمة عالمية، وكل ضيوف المحاضرات من العالم أجمع يأتي على نفقتي الخاصة ، كما أقوم بطباعة المنشورات وما إلى ذلك على نفقتي وتوزع مجاناً.

• هل يتم استغلال فضاء هذه الأمكنة لإحياء حفلات غنائية وذلك لجرّ الشباب الجدد لبيوت أجدادهم التراثية ؟

- كل ليلة من ليالي الجمع في كل اسبوع نخطط لإقامة ليلة طربية شعبية بجانب بيت بن فارس، وقد استلمنا الارض ونعمل على عمل مكان يستوعب الناس لإحياء «فن الصوت الخليجي» وهو نفس المكان الذي كان محمد بن فارس يقيم به حفلاته الشعبية وسنعمل على استقطاب الكبير والصغير.

• هل يمكن استغلال هذه الأماكن للفضاء المسرحي؟

- مع الاسف فهذه البيوت التراثية صغيرة ولا توجد مساحة كافية للفضاء المسرحي.... لان جمهور المسرح كبير جدا وهذه البيوت والمراكز التراثية لا تستوعب عددا كبيرا من البشر.

• ألا تعتقدين أن إيجاد مبنى مسرحي في البلاد يندرج من ضمن مسؤوليتك كوزيرة للثقافة والإعلام؟

- طبعا ... وأنا أولي هذا الامر اهتماما كبيرا ، لذا سيرى النور مبنى ضخم اسمه المسرح الوطني في عام 2012، مسرح رئيسي ضخم وقاعات للمحاضرات والانشطة الاخرى، وبه مركز مسرحي يسع لمئتي شخص للتدريبات المسرحية للشباب، ومع ان التمويل المادي بسيط من الوزارة. الا انه بإذن الله على بداية عام 2012 سيكون كل شيء جاهزاً.

• يحتج فنانو المسرح بالبحرين لرفضك بيع تذاكر عروض مهرجان «آوال» المسرحي في مسرح الصالة الثقافية التابع لوزارة الثقافه؟

- لأنني أفهم ان الصالة الثقافية التابعة لوزارة الثقافة مهمتها «خدمة» الجمهور وتقديم الثقافة والفنون له بالمجان أنا لا أريد أن أدخل في متاهات وزارة المالية واسئلتها التي لا تنتهي ... وأثق انه ربما احتاج المسرحيون الى تمويل أكثر لإضافتها الى بند الانتاج لمسرحياتهم ، الا انه في الحقيقة لم يتقدم أحد منهم بطلب رسمي بخصوص ذلك، لولا الاستاذ الكاتب الصحافي عقيل سوار الذي تمنى عليّ السماح لبيع التذاكر لتسديد كلفة الانتاج لما علمت بشيء ... فوافقت على بيع التذاكر للعروض المسرحية مستقبلا بالرغم من المشاكل المتوقعة من وزارات عدة.

• في إعادة ترميم المنازل هل استخدمتم نفس المواد الأولية التي بنيت منها تلك البيوت؟

- طبعا استخدمنا كل مواد البناء المناسبة لبيوت وأسواق ومواقع دول الخليج والمناسبة لبيئتنا... الا ان التطويرات والاضافات الحديثة «كالقهاوي المودرن» ومكتبة الطفل جاءت في استغلال مساحة غير تراثية، والاضافات الاخرى على البيوت القديمة كانت من خلال إغلاق سقوف البيوت بالزجاج لتخترق الشمس المنزل بشكل طبيعي وأيضا لتمديد المكيفات للزوار وتستغل مساحة الحوش لإقامة المحاضرات والندوات ..

• ما المشاكل التي صادفتك؟

- برود الناس و... اهمالهم، ونقص الدعم المادي ... اذ نسعى للحصول على المزيد من المواقع الاثرية الحضارية والمواقع التراثية لشراء وترميم عدد من البيوت والمواقع القديمة وهي آيلة للسقوط أو للإزالة... وأريد ضمها ضمن المواقع التراثية وهذا يحتاج للتمويل المادي.

• هل من احد قام بالتبرع بالبيت القديم العائد لوالدة أو جدة لخدمة المشروع؟

- نعم، حصل هذا كثيرا ، إن تعامل الكثير من الورثة معنا فيه فهم لمشروعنا الوطني ، وحصل هذا من عائلة محمد حجي خلف الذين يملكون بيتاً من أجمل البيوت في المنامة فقاموا بالتبرع ببيتهم، عندما علموا بأني أرغب بترميمه، فوقعنا بيننا على وثيقة مفادها أني سأتكفل بترميم البيت من أجل توظيفه للأنشطة الثقافية وتعليم اللغات. ولأكون صريحة لم أكن أملك حينها المبلغ المادي لأشتري ذلك البيت. ولا أنسى أيضاً عائلة عجاج التي ستتبرع بمنزلها والذي سأقوم بترميمه ليكون بيتاً للؤلؤ.

• نلاحظ أن كل الذي يتم ترميمه عبارة عن بيوت ، فأين المدارس من ذلك؟

- «عاد» هذه مسؤولية الدولة، التى لا تخصص مبلغا لشراء وترميم المدارس ، الا ان «قلبي يعورني» على مدرسة قديمة اسمها «الهداية الخليفية» فإن وزارة الثقافة ستتولى هذة المهمة فقررت تسلم المدرسة وسنقوم بترميمها وتوظيفها لتكون متحفاً لتأريخ التعليم النظامي في البحرين. وللأسف على مدى سنوات كانت وزارة التربية تريد أن تفعل هذا الأمر لكنهم ليسوا بمختصين بذلك، إذ لا يمتلكون خلفية. وبإذن الله إذ لدينا خطة وطنية لكل المواقع في البحرين سيتم الإعلان عنها كتراث معماري وهذة الخطة سيصادق عليها سمو الملك.

• هل تلقين تفاعلاً شعبياً من الناس إزاء ما تقومين به؟

- جدا .... ويكفيني الكلام الجميل والحلو الذي أسمعه منهم ، وعندما «طردت» من العمل جاءني دعم خيالي من كل الناس ومن الشركات ولم يتركوني وحيدة.

• ألم تفكري بوضع هذه المراكز التراثية الخاصة بك تحت جناح وزارة الثقافة والاعلام ؟

- على الاطلاق ... انها جهود فردية لأفراد مع مجلس الامناء، وكل دول العالم يشجعون المؤسسات الأهلية، وانا هنا في المؤسسة الأهلية أملك حرية العمل أكثر من الحكومة ذات الطابع الروتيني والتمويل القليل جدا.

• بعد عمر طويل لك مي ... أين سيذهب كل هذا ؟

- لدينا مجلس امناء نتشارك بتحمل مسؤولية إدارته ... والمراكز التراثية بالمحرق دخلت ضمن التراث العالمي ، إذ يضم المجلس كلاً من اختي الشيخة لطيفة والأستاذ حسن والدكتور عيسى امين والسيد عايش بن مطر وكان معنا المرحوم الدكتور أحمد باقر... وكلنا نضع خططا لعملنا وننفذه، وجميعنا مؤمنون بضرورة استمرار هذه المراكز التراثية، ما دامت الارض عامرة بالبشر .

فحلمي - كما تقول مي الخليفة - ان أربط هذه المؤسسة الاهلية مع المشاريع الإنشائية للمتاحف تحت عنوان « تفاني» وكنا نريد تأسيس «كونديشن» تدير المتاحف التي سيتم بناؤها من الدعم الخاص وكذلك تشمل المؤسسة الاهلية وهذا حلم مستقبلي نسعى له.

• أثناء تجوالي في المراكز التراثية كان يرافقني شاب هندي محترم اسمه أبوبكر ... ألا يوجد شباب بحريني لدية الكفاءة ليوظّف كدليل سياحي؟

- «دهشت» .. كيف ... و«سألت رجلا كان يرافقها ... وين فلانة ... كيف تروح ليلى مع ابو بكر هذا.. يصب لنا الشاي ومايعرف شيئاً عن مراكزنا وتاريخها» ... وعلمنا ...ان المسؤولة المرافقة سافرت فجأة خارج البلاد... واستدارت نحوي لتقول: هذه ليست بمراكز سياحية ،ونعتذر لأن العامل الهندي الذي قابلكم ليس بدليل جيد.

• أثناء تجوالي في مدينة المحرق القديمة لاحظت وجود عدد من المتاحف الشخصية مثل متحف محمد راشد العريفي عن حضارة دلمون ، وكوزيرة للثقافة هل تدرجين المتاحف الثقافية لتكون وجهة للسائح ؟

- هذا شيء خاص بهم لا شأن للحكومة به، وشخصياً أشجعهم عليه، لكن المتحف يجب أن تكون لديه مقومات أساسية مثل مستوى المتحف الوطني، لأدرجه ضمن قائمة الأماكن السياحية في البحرين.

• هل أثرت الأزمة الاقتصادية على هذه المشاريع؟

- نعم ... جداً فبعض البنوك تراجعت في تبنيها للمشاريع، وأملي في المستقبل وبهم ...لا يهدأ أبدا.

• كم بلغت التكلفة المادية لتلك البيوت التراثية بالاجمال؟

- بالدينار البحريني تفاوتت تكلفة شراء البيوت وترميمها.. البعض كلّف ترميمه 220 ألفا، وأخرى 260 ألفا، وبيت بن مطر 600 ألف، وبيت آخر بمليون دينار، وقاعة الشيخ إبراهيم 600 ألف.

• لو قلت لمّي الناشطة في مجال التراث من جيبها الخاص عن رأيها بنفسها ...كوزيرة للثقافة والاعلام؟

- أرى بأن أداءها جيد فهي تحاول جاهدة لكن ليس كل من حولها يساعدونها ويلبي طموحها.

• لنبتعد قليلا عن التراث ونسأل الوزيرة عن الفن ... فيلم «مريمي» من الأفلام البحرينية الذي حقق جوائز في مهرجان دبي السينمائي ومهرجان سينمائي آخر في سويسرا ، و كوزيرة للثقافة والاعلام ، لم نقرأ في الصحف البحرينية بأنك دعوت فريق العمل لتهنئته وتشجيعه؟

- بجد فوزهم أمر مشرف .. وأعتذر لهم لعدم تقديم واجب التهنئة والتكريم لهم وهم يستحقونه فعلا .. لكن مع الاسف مع ضغوطات العمل وإيقاعه السريع لم أمتلك وقتاً كافياً، فمن المعجزات أن أستطيع اللحاق بكل شيء.

• أحببت ... بيت المطرب «محمد بن فارس لفن الصوت الخليجي» وهو فن جمع البحرين والكويت فقط من بين جميع دول الخليج الى اي حد ساهم الكويتيون في دعم هذا البيت؟

- مبادرة حلوة وشخصية قدمتها الشيخة حصة الصباح، إذ قامت بشراء بيت المطرب محمد بن فارس عندما علمت ان «عيني عليه» وأرغب به، فتكاملنا من باب الصداقة... كما قامت الشيخة حصة بشراء أحد البيوت الواقعة ضمن مواقع المراكز التراثية في مدينة المحرق واشترته لنفسها وهي تقضي مع عائلتها احيانا عطلاتها به.

* لو اختصرنا احتياجاتك لشراء وترميم بيوت جديدة فما الذي تودين قوله ..؟

- لإتمام مشاريعي الحضارية والتراثية.. لاشيء غير الدعم المادي من الشركات والبنوك والافراد وهذا حلم ليس ببعيد المنال بعزم ودعم وتمويل أبناء الخليج.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي