pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رأي قلمي

رمز من رموز الوفاء...!

إن العيش في هذا الزمان المعقد، يتطلّب من الإنسان أن يستنفر كل قواه... الروحية والعقلية والجسمية والمهارية، حتى لا يُهمّش أو يجد نفسه تابعاً ذليلاً لجهة ما، أو يجد نفسه كسيراً حسيراً، لا حول له ولا طَوْل. إن الحياة العامة التي يعيشها كثير من الناس ليست حياة سوية، حيث اختصروا الحياة في المجال الاقتصادي للتنافس بينهم، وما يتبعه من متاع الدنيا، وصار المال محور الحياة الحديثة أكثر من أيّ وقت مضى، فعن طريقه يُمكن الوصول إلى أيّ شيء، كما يُمكن دفع أي شيء، وبه يمكن ستر أي شيء... وألغوا الأنشطة الروحية والأدبية، والرؤية الإسلامية في مسألة المال والاقتصاد والكسب والإنفاق، رؤية تميل إلى التوازن والاعتدال، وهي رؤية مترابطة، تراعي مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة في آن واحد، كما تراعي حيثية كون الدنيا مزرعة للآخرة، وكونها دار ممر، لا دار مقر.

إن المناهج على مختلف أشكالها وألوانها، ليست هي التي تحمل الناس إلى الغايات التي يريدونها، والمنطلقات النظرية في كل أمور الحياة، ليست هي التي تنقل الناس من حال إلى حال. إن الله - سبحانه وتعالى - حفظ الدين، وظلت قطعيات الشريعة دائماً واضحة، لكن المجتمعات الإسلامية مع ذلك تراجعت عما كان عليه أسلافها، لأنها لم توفّر الشروط والبيئات التي تساعد المنهج على أداء دوره في حياة الناس.

والمنطلقات النظرية ترسم الطريق، وتسهل العمل، وتزيل العوائق الثقافية من وجهه، وتجعل الإنجاز يبدو مشروعاً وممكناً، كما أنها توافر معايير قياسه، لكنها لا توجد العمل نفسه، وإنما توجده البرامج والأساليب والأدوات التي نوظفها في سبيل تحقيقه. قد يتخرج طالب في كلية العلوم الإدارية وهو يملك كل الأفكار والنظريات التي تجعل منه رجل أعمال ناجحاً، لكن ذلك وحده لا يفيده بأي شيء ما لم يكن لديه المشروع والمال والإطار التنفيذي.

السفر باب من أبواب الرزق، وهو من الأمور التي تساعدنا في تدبير شؤون العيش والرزق، وإدارة الإمكانات المتاحة، حيث يستفيد الإنسان خبرات جديدة، وينقل خبرات بلده الذي نشأ فيه إلى البلد الذي يسافر إليه، ويقع على فرص قد لا تتوافر في بلاده، وقد قال الله - تعالى - «وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً» (النساء: ١٠٠). قال ابن عباس وغيره: «السّعَة: سعة الرزق».

وعلى مدار التاريخ كان الناس يهاجرون ويسافرون تفادياً للأزمات الخانقة، وكان معظمهم يجد في ذلك منجاة مما هو فيه من كرب وضيق وقلّة. إن تعلق المرء بمسقط رأسه، ومقام أهله شيء فطري، ورمز من رموز الوفاء، لكن المبالغة في ذلك تحرم الإنسان من أمور كثيرة، وهي في غاية الأهمية.

وفي الختام نقول: إننا بحاجة دائماً إلى الثقة بأنه مهما ساءت الأحوال، واشتدت الكروب، فستظل هناك فرص وخيارات، لكن قصورنا الذاتي وضعف شفافيتنا تجاه الفرص، هما اللذان يحولان دون الاستفادة منها، واستخدامها في تجاوز الحالات الصعبة، كي نستطيع التكيف والعيش في الزمان المعقد الصعب.

M.alwohaib@gmail.com

mona_alwohaib@

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي