pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رأي قلمي

الخيال المتوثب...!

قال الشافعيّ: «استعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط بالفكر».

التفكير يهدف دائماً إلى استيلاد مجهول من معلوم، والوصول إلى بعض النتائج من خلال ما يتوافر لدينا من مقدمات ومعلومات.

لهذا اكتشاف الذات في جانب الفكر على درجة عالية من الأهمية، حيث إن إدراكنا لذواتنا وبيئاتنا، والتحديات التي تواجهنا، والفرص المتاحة لنا، وكل ذلك يتم بواسطة البُنية الفكرية التي يمتلكها كل واحد منّا، هذه البُنية التي وهبنا إياها الله -سبحانه وتعالى- تقوم في الأساس على الإمكانات الذهنية الفطرية، ويساندها ما نتلقّاه من تربية وتعليم وتجارب نمر بها، وخبرات نكتسبها.

معظم الناس يفرّون من التفكير، لأنه عملية شاقة جداً، وثقيلة على النفس، ولا يفكرون إلا عند وجود حاجة ملحّة له.

وكثير من الناس لا يستطيع استخدام إمكاناته الذهنية على نحو مقبول، لأن بينه وبينها حواجز سميكة، فُصلت من مجموعة من العادات النفسية والذهنية السيئة، ومن مجموعة من المقولات والمفاهيم الإشاعة، التي لم تعرض لأي اختبار، كما أنها لا مرجعية لها، ولا تستند إلى أي أساس علمي، لذا نجد أننا لا نملك إلا القليل جداً من المعرفة بطبائع الأشياء، وبسنن الله في الخلق، وبالأمور المشتركة بين بني البشر، ومعظم ما لدينا من معلومات عبارة عن معارف متبعثرة، لا ينظمها ناظم ولا نعرف ماذا نصنع بها!

وقد أثنى الله -تعالى- على المتفكرين بقوله: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا ﴾ [ آل عمران: 191].

التفكير النشط هو الأداة الحقيقية التي يجب أن نستخدمها في تمحيص المعلومات وطرد الزائف منها، ومن ثم تصنيفها وتوظيفها والاستفادة منها.

نحن بحاجة أن نتأمل في أحوالنا الخاصة ونحن نكتشف ذواتنا، من أداء فرائض على الوجه المطلوب، وتأمل في نوعية تصرفنا بما أنعم الله به علينا من الصحة والوقت والمال.

وعلينا أن نفكر في الأخلاق والعادات التي تشل إمكاناتنا، وتعوقنا عن تحقيق الفلاح والنجاح، وأن نفكر في التحديات الجديدة التي علينا أن نواجهها، وأن نفكر في أدوات تلك المواجهة.

علينا بالخيال الخصب فمنه نخرج من سجن الواقع وضغوط الظروف السيئة، وننطلق إلى تمثل آفاق وأوضاع ترسل إشارات النجاح، وتجاوز الأزمات إلى جهازنا العصبي، مما يُحدث فيه تغييرات إيجابية لصالح الانطلاقة الجديدة التي نطمح إليها.

إن الكثير من إنجازات البشرية مدين لأصحاب الخيال المتوثب، والذين يمهدون الطرق أمام المبدعين، وهذا يعني أن علينا أن نشجع أنفسنا على تخيل ما يمكن أن يحدث من الخير والنجاح، لننطلق بعد ذلك إلى بحث السبل التي تقربنا مما تخيلناه وتحوّله إلى ما يشبه الحقيقة.

التفكير ضروري عند عدم وجود المعلومات، وعند توافرها أيضاً، لأن التفكير المرتكز على الموضوعية، وعلى عدد كافٍ من المقولات والقوانين النيرة والمعترف بها، هو الذي يمكننا من أن نستخلص نتائج مقبولة ومطمئنة من مقدمات ومعطيات ناقصة، كما أن بإمكاننا تحييد الكثير من المعلومات المتوافرة عن حقل الاستدلال والاستنتاج بسبب زيفها أو عدم دقتها، أوعدم فائدتها للحقائق التي نبحث عنها.

كان الحسن البصري يقول: «تفكّر ساعة خير من قيام ليلة».

M.alwohaib@gmail.com

mona_alwohaib@

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي