pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

سافر إلى ذاتك

العلاقات الالتحامية

نبدأ بهذا المشهد «أمي وأنا علاقتنا جميلة جداً، نتشارك الوقت كله والسفرات والطلعات والأصدقاء، ما نتفارق أبدا، يحمعنا كل شيء، وقلوبنا مفتوحة 24 ساعة حق بعض، كل شيء في علاقتنا مشترك، الغريب بالأمر إن كل ما يخطبني أحد أمي تطلع كل عيوب الدنيا فيه وتكرّهني فيه، لين وصل عمري 40 وما تزوجت إلى الآن».

للوهلة، عند قراءة الشق الأول من الرسالة نقول ماهذه العلاقة المثالية والرائعة والجميلة؟ وما أن نكمل الرسالة نرى مشهداً آخر، لماذا الأم تقف أمام سعادة البنت؟ أو لماذا الأم ترفض أن تعيش ابنتها حياتها المنفصلة عنها؟

لنأخذ الأمر من علاقة أخرى ومشهد آخر وقضية أخرى، المشهد التالي بطلاه زوج وزوجة.

«أنا وزوجي حياتنا مثالية نخرج دائماً مع بعض، والسفر دائماً نكون مع بعضنا، لا أصدقاء لزوجي ولا صديقات لي، عالمي هو وعالمه أنا، وقتنا مشترك واهتماماتنا مشتركة ونقاشاتنا مشتركة مكتفيان ببعضنا، زوجي يعمل لي كل شيء ويدللني ويرعاني. ولكن بأحد الأيام قررت أن أفتح حياتي لعالم الصديقات فثار بوجهي ورفض رفضاً قاطعاً، وانتهت علاقتنا بالانفصال. لا أعرف لماذا اختنقت منه»؟

نلاحظ في المشهد الأول الأم تخاف أن تخرج ابنتها من سيطرتها، فقررت أن تدمر حياتها تحت مظلة الحب و(انا خايفة عليج ياخذج أحد ما يستاهلج)، أما الزوج في المشهد الثاني هو مثل تحكم الأم ويخاف أن يشاركه أي مخلوق هذه الالتحامية، ولو قربنا المجهر عليه فسنجد أيضاً ان ابنائه لا يريد منهم مشاركته أمهم... ما تفسير ذلك؟

لاحظ معي عزيزي القارئ، ان العلاقات في المشهدين السابقين علاقات جميلة بالظاهر، سامة من الداخل وهي علاقات تعد ظاهرة من معاناة الكثير حولنا والكثير يشاهدها ولا يعرف تفسيرها... تدعى هذه العلاقات باسم العلاقة السامة (العلاقة الالتحامية) هذه العلاقة شكلها: اثنان يحبان بعضهما لدرجة الالتصاق الشديد كل شيء يعملانه مع بعض (هو)، (هي) حتى يصنعا دائرة مغلقة عليهما قريبين من بعض وغريبين عن البقية، ملامحها: حب توافق / جمال وعطاء لا محدود ومشاركة، أما تفسيرها النفسي: كارثة نفسياً وسامة جداً.

وهذه العلاقة نعرفها من خلال الملاحظة، فأصحابها منغلقون بشكل ملفت على بعضهم وغالب من يراهم يقول:

ما شاء الله على العلاقة المثالية.

ما شاء الله زوجها متعلق فيها.

ما شاء الله الأم مهتمة جداً بأبنائها.

كل ذلك لأن سلوكيات العلاقة تصور الحب بإطار جميل وملفت للنظر، هذه العلاقة صفاتها وسلوكياتها نعرفها من التالي:

دائماً يخرجون مع بعض، 24 ساعة مع بعض، يأكلون، يسافرون، لا يقبلون بدخول أحد بينهم، لا توجد خصوصية ولا حدود نفسية، كل شخص هو مصدر الصداقة والفلوس والحب والاحتواء وكل شيء للآخر وفقط هو.

فالأم الالتحامية تعلم أبنائها (أنا مصدر الحب الوحيد في العالم، محد يحبك مثل أمك، محد يخاف عليك إلا أمك العالم الخارجي وحشي، احذره) فتنشئ أبناء اعتماديين، ضعاف الشخصية ويخافون من العالم والناس، أما الزوج الالتحامي (أنا مصدر الحب لك)، أنا أهم شخص في حياتك، كل وقتك لي ولي فقط، لا يحق لك أن يكون لك أصدقاء، ولأن البداية بالعلاقة الالتحامية تحت عنوان الحب ففخ السقوط بها سهل جداً، لا عالم لك من دوني لأني أحبك، البِر أن تتخلي عن كل شيء من أجلي لا سعادة إلا بحضوري ووجودي لا قرارات إلا بموافقتي. وكل (لا) في العلاقة هي لتقييد الشخص الآخر بالشخص الالتحامي وتعلقه فقط به.

لماذا العلاقة الالتحامية سامة؟

لأن بهذه العلاقة إذا فكر الطرف الضحية بها أن يكوّن حياته الخاصة وأصدقاءه الخاصين وعالمه الخاص يدخل بحرب المشاعر والضغط الشعوري من الطرف الآخر، تهديد بالطلاق في حالة الزواج، تهديد بالعقوق إذا كانوا آباء، تهديد بالهجران إذا كانوا أصدقاء، والنتيجة الضحية إما أن يتمرد ويكسب نفسه وإما يستسلم للشخص الالتحامي ويسلم نفسه لقيوده، والكثير يتجه للحل الثاني مع الأسف والنتيجة إما - أمراض نفسية ( قلق - اكتئاب) وإما جسدية ( أمراض عضوية).

الآن ماذا تفعل الابنة مع الأم الالتحامية في المثال الأول؟ الجواب أن تقلل الالتحام بشكل تدريجي وبسلوك ذكي.

أما الزوجة فماذا تفعل بالرجل الالتحامي؟

تنوع له مصادر السعادة وتشركه في نشاطات بعيدة عنها يحبها هو، أما الأشخاص خارج العلاقات القريبة منا لا تحتاجهم في حياتك، الحل أبدلهم ووفر على نفسك جهدك العقلي والشعوري.

وأخيراً،

زوجك ليس المصدر الوحيد... الحب.

ابنك ليس المصدر الوحيد للحياة.

صاحبك ليس كل حياتك.

افتح حياتك وانطلق للعالم.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي