pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

سافر إلى ذاتك

البطة السوداء

بحيرة وهدوء وبطة تسبح بتناغم مع الماء.

... إلى هنا منظر عادي جداً، شاهدناه مئات وآلاف المرات، ولكن السؤال: هل هدوء البطة حقيقي؟ أو حركة الماء الهادئة بجانبها حقيقية؟ وما علاقة هذا كله في حياتنا؟ ظاهرة البطة أو متلازمة البطة أو «متلازمةُ بطّةِ ستانفورد» أو «متلازمةُ البطة القبيحة» وتُسمَّى في بلادنا «البطّة السوداء»، وهي ليست اضطراباً عقلياً حقيقياً، بل ظاهرةً نفسية واجتماعية تصيب نسبة كبيرة من الناس، خصوصاً طلبة الجامعاتِ والمدارسِ والتجار والمسؤولين.

أي أنها تصيب كل شخص يتعرض للضغوط بشكل يومي ومطلوب منه عرض صورة هادئة له للناس.

تعريفها ووصفها هو أن يُظهر الشخص هدوءاً خارجياً رغم أنه يحمل معارك لا يقوى الناس على تخطيها أو خوضها حتى، و يخفيها خلف هدوءه المصطنع المقنع بالاضطرار ليصبح شكله الخارجي بعيداً عن ما يبذله من جهد وتعب داخلي.

كل ذلك لأن هذا الهدوء مجبر عليه، تقديراً لمن حوله، أو خوفاً من فضح ما بداخله للآخرين، أو لأن طبيعة عمله تتطلب هذا الأمر، فمذيع البرامج الكوميدية على سبيل المثال لا يهم ماذا عانى باليوم أو ماذا يشعر قبل البرنامج، المهم داخل البرنامج هو مذيع كوميدي عليه أن يلبس قناع الكوميديا.

عندما يراه الآخرون يظنون أن حياته كلها مرح وسعادة ونكتة، ولا يعرفون أنه يعاني ويقاسي الكثير في يومه ولا يظهر لهم ذلك.

وكذلك المشاهير، ننظر لما يملكون ولا نعرف ماذا قدموا من مشاعر وجهد عقلي وبدني ليملكوا ما نراه عندهم، لا ثمن من دون جد ومن دون هموم متثاقلة على القلب، ولا تصدق رواية أن فلانا محظوظ وأخذها بالسهل، حتى السهل فيه ضغوط نفسية لم يفصح لك عنها، ولم يفتح لك قلبه، لذلك متلازمة البطة هي ظاهرة يكون فيها الشخص في الخارج لا يعكس ما عاناه في الداخل.

وفيها الكثير من الأعراض الأولية للاضطرابات النفسية المختلفة، كالاكتئابِ والقلقِ وغيرها، ونظراً للآثار الخطيرةِ الناتجةِ عن القلق والاكتئاب، يجب أن تؤخذ هذه المتلازمةُ على محملِ الجِّد، فهي تدمر الشخص بمرور الزمن.

نرجع للمشهد الأول: بطة وبحيرة عذبة ومنظر جميل، ومعاناة تحت المياه الراكدة لا تقبل السرد.

رفقاً بهم.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي