pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

3 «ميادين» تشكّل «مثلث» مخاوف من هبوب الرياح الساخنة

الأمن الهشّ في لبنان يهتزّ... فهل يَسْقُط؟


الجيش اللبناني أمام استحقاقات أساسية
الجيش اللبناني أمام استحقاقات أساسية

منذ أن بدأ التلويح باحتمال الفراغ الرئاسي وعدم تشكيل حكومة جديدة في لبنان، كثرت التحذيراتُ محلياً من مغبة استخدام الساحة الداخلية لتوجيه رسائل سياسية أو فرْض وقائع على أرضيةٍ ساخنة.

ولبنان الذي اعتاد عند اشتداد الأزمات أن يتحوّل صندوقَ بريد داخلياً وخارجياً قبل الإفراج عن قرارٍ بحلّ أزماته، يقف أمام تكرار السيناريو نفسه في مرحلةٍ مصيرية تشي بأن ما بعدها لن يكون كما قبلها.

وعلى وقع مراوحة المفاوضات الحكومية مكانها وترقُّب عودة رئيس حكومة تصريف الأعمال، المكلف تشكيل الحكومة الجديدة، نجيب ميقاتي من مشاركته في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وتَصاعُد مؤشرات الفراغ الرئاسي ابتداء من 1 نوفمبر، بدأت تظهر علاماتٌ أمنيةٌ غير مُطَمْئنة.

والأخطر أن مثلث المخاوف يتصل باحتمالات الحرب مع إسرائيل وبالأوضاع الداخلية الاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى الكلام المتجدد عن عودة مجموعات متشدّدة إلى لبنان.

ورغم أن ملف ترسيم الحدود البحرية واستخراج الغاز يراوح مكانه، إلا أن تَرَقًّبَ اللبنانيين لحال الحرب أو عدمها مع إسرائيل بعد تهديدات الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله، يزيد من مخاوفهم حيال المستقبل.

فتَعّثُّر المفاوضات غير المباشرة واحتمالُ ترحيل الاتفاق على استخراج الغاز إلى ما بعد انتهاء عهد الرئيس ميشال عون وانتخابات الكنيست في إسرائيل، يثيران هواجسَ من احتمال تَصاعُد التوتر، رغم تأكيد الطرفين سعيهما إلى التفاوض.

إلا أنه مع كل محطةٍ تتعثر فيها بجديةٍ مراحلُ التفاوض، يصبح الحذر واقعياً قياساً إلى تجارب لبنان السابقة مع الحروب مع إسرائيل.

وإذ زاد من حدة المَخاوف تلويح نصرالله أخيراً باستهداف حقل كاريش، إذا قررت اسرائيل استخراج الغاز منه قبل حصول اتفاق الترسيم، فإن هاجسَ الحرب يبدو حتى الآن أخفّ الهواجس ثقلاً على اللبنانيين، بعدما تصاعد القلق من احتمال عودة التوتر إلى الشارع، في ظل ازدياد الانهيار المالي.

فموجةُ اقتحام مودعين للمصارف ومطالبتهم بأموالهم المحتجَزة في أكثر من منطقة، والتي تُنْذِر بمزيد من الفصول الساخنة، أثارت مخاوف أمنية بقدر ما تَسَبَّبَتْ بمبادرة المصارف إلى الإقفال (حتى الخميس مبدئياً) وارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية.

وإذا كان وزير الداخلية بسام مولوي دعا إلى اجتماع الأمن المركزي استثنائياً في «جمعة الاقتحامات»، وأكد أن القوى الأمنية تحمي الوضع الداخلي وليس المصارف، إلا أن تَعَدُّد حالات الاقتحام، مترافقةً مع تَراجُعٍ حاد في المقومات الحياتية للمودعين نتيجة انهيار سعر الليرة، من شأنه أن يشكل عنصراً أمنياً ضاغطاً.

فحتى إقفال الفروع لبعض الوقت والعودة للعمل ارتكازاً على «بروتوكول» حماية أمنية متعدّد البُعد، سيكون سبباً إضافياً في استثارة المودعين ولا سيما أولئك الذين يحتاجون ودائعهم لأسباب صحية.

والمصارف لن تتمكن من الإقفال لوقت طويل متذرّعة بحماية موظفيها، لأن العينَ الدولية عليها، بعدما تحولت قضية الاقتحام مادة إعلامية عالمية.

ويترافق وضع المصارف مع ارتفاع حاد في سعر المحروقات على أبواب الشتاء وانحسارٍ شبه كلي للتغذية بالكهرباء وارتفاع أسعار اشتراك المولدات الكهربائية بالدولار الذي يسجل رقماً قياسياً جديداً بارتفاعه فوق 38 ألف ليرة وسط تحذيراتٍ من وصوله إلى عتبة 40 ألفاً وما فوق من دون أي رادع.

وزاد من حدة المخاوف من انفلاش ظاهرة اقتحام المصارف أن المودعين كانوا لا يزالون مُطْمَئنين إلى أن أموالهم ستُدفع لهم، عاجلاً أم آجلاً، خصوصاً أن تعاميم مصرف لبنان كانت تسمح لهم بسحب نحو 400 دولار فريش شهرياً من ودائعهم.

لكن بعد مرور 3 أعوام على بدء مشكلة المصارف، اصبح اللبنانيون يعون أن أموالهم ضاعت، خصوصاً بعد مناقشات عقيمة لمشروع «الكابيتول كونترول» فُهم منها استمرار السلطة بحماية المصارف لا المودعين.

وعلى خط آخَر، عادت طرابلس إلى الواجهة الأمنية، بعد تقرير نشرته صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية عن مخاوف من عودة مَن كانوا يقاتلون مع «داعش» في العراق إلى شمال لبنان، وإشارتها إلى احتمال وجود نحو ألف لبناني حاربوا مع التنظيم وأن هناك نحو 300 مقاتل يريدون الرجوع إلى لبنان.

وأثار التقرير موجةً من التساؤلات حول توقيته والغاية من الإضاءة على عودة المتشددين إلى شمال لبنان، ولا سيما أن جهاتٍ أمنيةً رسمية نفت في شكل قاطع وجود مثل هذه الأعداد وقدّرت احتمالات العودة بالعشرات فحسب.

لكن في الوقت نفسه، فإن تصويبَ الأنظار على طرابلس لم يأت من عبث، ولا سيما في ضوء تَزايُد انتشار حالات عنف في المدينة، كأحد مؤشرات الانهيار الاجتماعي والأمني.

وزاد من القلق حصول جريمة في منطقة التل في طرابلس قبل نحو 10 أيام، ذَهَبَ ضحيتها أحد أبناء جبل محسن مع اثنين آخريْن من عكار وأحد مقتحمي محل بيع الهواتف الخلوية، وتركتْ مخاوف من أن تكون واحدة من حلقات مسلسل إعادة دورة العنف.

ورغم مسارعة قيادات المدينة إلى تطويق ذيول الجريمة، فإن تفاقم حالات الفقر وكثرة الحوادث الأمنية فيها، يضع عاصمة الشمال على تماسٍ مع احتمالات خطرة، بتوسع القلاقل الأمنية إلى أكثر من منطقة، حيث لا قدرة للأجهزة الأمنية ولا سيما الجيش على أن يكون حاضراً بالقوة التي كان معتاداً عليها، في ضوء تَكاثُر الأزمات وانهيار الوضع المالي للجيش وعناصره.

وحتى لوجستياً، فإن الجيشَ يفقد قدرته على فرض الأمن في الشكل الذي كان مطلوباً منه، وهو أمام استحقاقات أساسية في ضبْط أوضاع المخيمات الفلسطينية والنازحين السوريين وتوفير الأمن في كل المناطق، ما يزيد من الضغط عليه في مرحلةٍ خطرة سياسياً.

وإذا كان الجيش يتحدث دائماً عن أن الأمن قرارٌ سياسي، تبدو صورة الوضع الأمني مهتزةً على قاب قوسين من فراغ رئاسي وشلل حكومي فاقع في معالجة أدنى مقومات الحياة اليومية للبنانيين.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي