pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رأي قلمي

قصتي مع سبتمبر...!

كانوا من أهم مصادر سعادتنا، ومصدرنا للتربية والإنضاج، لهذا كانت لنا منهم كل العناية والاهتمام. غرسوا فينا المبادئ والأعراف والتقاليد والبنى الثقافية المختلفة... كل هذا لأنهم يريدون أن يبنوا علاقاتنا الاجتماعية بالأطر التي تتفاعل فيها، وتصبح علاقات متوازنة بين التعقل والانفعال، وإن تعرضنا للخسارة فلا تكون فادحة.

تعلمنا منهم كيف نبني في مسيرة حياتنا علاقات موزعة على دوائر ومستويات عدة، فمن خلال المشي في الطريق نبني علاقات عابرة وواسعة جداً، ولكن العلاقات العابرة تكون رعايتها عابرة أيضاً، وهي تتجسد في ما يسمى آداب الطريق، لن تجد هذه المفاهيم وأعمق من هذا بكثير إلا عند والديّ «أمي وأبي»، رسخا فينا علاقة أضيق وأعمق من العابرة، وهي رابطة الإخوة الإيمانية، هذه العلاقة التي تنشأ تلقائياً بين أبناء الدين، وفيها حقوق وآداب معروفة. لأنهما يدركون نحن بحاجة إلى علاقات اختيارية خاصة، وليس علاقات مفروضة علينا مثل علاقة القرابة والرحم.

كانا على يقين أننا في حاجة ماسّة إلى أن نقيم علاقات خاصة ومتميزة، لأن في ذواتنا ثغرات كبيرة، لا تُسد إلا عن طريق الأخ الصديق الذي نأنس به، ونطمئن إليه، ونرى فيه الإنسان الموافق في الرخاء، المؤازر في الشدة، والذي نشعر بثمرات صحبته دون أن يثقلنا بتبعاتها. فكانوا هم ذلك الصنف الذي لا يظفر المرء في العادة بعدد كبير منه.

كانت صداقتنا بهم حميمة في حياتهم، وأشواقنا لبعض فطرية أصيلة، كنا لا نفتش عن أخطاء بعض ولا نتابعها، ولا نسرف في نقد بعضنا لبعض، لا نثرثر كثيراً، ولا نستفيض بالكلام، حتى لا نجر إلى إفشاء الأسرار، لا نخوض في سِيَر الناس ومشكلاتهم، لأن هذا قصور في الثقافة والتعليم، وإحساس بالنقص، وأنانية وتطرف في حب الذات، ولا نتكلم في ما لا يعنينا.

ما قدمناه نقطة في بحر توازنهما وتعقلهما وحصافتهما وحكمتهما، وهذه النقطة تعتبر وصفة إرشادية أو خطة توجيهية كيف نصل إلى الخل الوفيّ، ذات الاستقامة والالتزام، لأن فيه الأرضية العريضة والصلبة التي تتشكل عليها كل السمات الأخرى المطلوبة، وتوافر درجة مقبولة من التفتح والجديّة والحرص على الوقت والإيثار وبذل المعروف والشفافية والتعاون والصراحة. علمانا كيف نحسن العشرة، ونقيم حقوق الأخوة، بتقديم الخدمات والإعانة بالنفس والجاه، وكيف نفرح لفرحهما، ونحزن لحزنهما، ونحرص على مصلحتهما ونحفظ أسرارهما.

كانا يعرفان أن وجود الصديق الحميم في حياتنا، يعد مورداً مهماً لاستكمال سعادتنا واطمئناننا ونضجنا، وأننا سوف نبحث عنه، ونحرص عليه، فقاما بتوفير الجهد والوقت وكانا هما صديقنا الحميم واكتملت سعادتنا ونضجنا واطمئناننا بهما.

بعد ما فارقانا فقدنا وجود الصديق الحميم، وجف مورد السعادة والنضج والاطمئنان.

فقدتها في «سبتمر 2005» وفقدته في «سبتمبر 2010»، عندما فقدت أمي فقدت نصف الصديق الحميم والسعادة والنضج والاطمئنان، وبعد خمس سنوات فقدت أبي بفقده لا صديق حميماً، وجفت الينابيع لا سعادة ولا نضج ولا اطمئنان.

يا رب أسعدهما وطمئنهما في أعلى الجنان وجازهما عنا خير الجزاء، وبلغهما منا السلام.

أما قصتي مع سبتمبر فهي كالآتي:

توفي أخي يوم 23 سبتمبر/ 2003

توفيت أمي يوم 10 سبتمبر/ 2005

توفي أبي يوم 30 سبتمبر/ 2010

توفي أخي الآخر يوم 13 سبتمبر/ 2013

توفي أخي الأكبر «مبارك الحديبي» يوم 27 سبتمبر/ 2018

توفيت ابنة أخي يوم 26 سبتمبر/ 2021

وهذه هي قصتي مع سبتمبر!

M.alwohaib@gmail.com

@mona_alwohaib

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي