pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رؤية ورأي

التكسّب الانتخابي في فتنة مقطع الفيديو

كما أشرت مراراً في مقالات سابقة، مفهومنا كمجتمع للوحدة الوطنية مُشوّش، وممارساتنا في تحصينها وتعزيزها مُقيّدة ومُثقلة بهذا المفهوم غير الدستوري غير الحضاري، الذي استشرى في عقيدتنا السياسية. ولذلك ما زالت تشعل نيران الفتن الفئوية لدينا بين فترة وأخرى، وتمتد لهيبها إلى نسيجنا المجتمعي، رغم كوننا مجمعين على نبذ الفئوية ومتفقين على توحيد جهودنا لإنقاذ الكويت مما وصلت إليه.

هناك من يسعى دائماً إلى تحجيم ظاهرة أو جمرة الفئويّة في المجتمع الكويتي، بدوافع مختلفة، ولكن أخطرهم هو من يحرّص على استدامة الظاهرة عبر وسائل وحيل عريقة ومتجدّدة، كتوثيق التعريف المزيّف للوحدة الوطنية في قاموسنا الديموقراطي.

هؤلاء ومعهم كثيرون غيرهم اعتبروا أن أزمة الاحتقان الطائفي الحاليّة، المتعلّقة بمقطع الفيديو المركّب من مقتطفات من محاضرات دينية مجتزاة، غايتها التكسّب الانتخابي تمهيداً للانتخابات المنظورة. وهو تشخيص مُحتمل ومُرجّح مع ارتفاع سخونة الأجواء الانتخابية التي نعيشها، إلا أنه تشخيص منقوص يُفاقم ويَزيد وَحْل التضليل في مستنقع الفئوية الكويتي.

فهناك جوانب جوهريّة أخرى في الفتنة الحالية، وفي الفتن المماثلة التي سبقتها، يجب أن تلاحظ وتشخّص وتعالج من قبل السلطات الثلاث والشعب، إذا أردنا أن نتفادى تجدّدها ومعاودة تعريض النسيج الوطني لمخاطر أزمات فئوية أخرى غرضها التكسّب الانتخابي أو غيره.

أخطر هذه الجوانب، هو تغاضينا كلّيًّا عن السقطة والخطيئة المؤكّدة، وهي نشر مقطع الفيديو (شرارة الفتنة الحالية) في وسائل التواصل الاجتماعي. فنشر مثل هذه المقاطع – وإن تأكّد صحّة محتواها – عمل مرفوض وطنيّا ومجرّم قانوناً وفق المادة (1) من مرسوم بقانون في شأن حماية الوحدة الوطنية، وقوانين أخرى، لأن نشر مثل هذه المقاطع سيُهدّد السلم الأهلي.

نحن في دولة مؤسسات، الأصل فيها هو تسليم مقاطع الفيديو، الموثوقة المحتوى التي يحتمل أن يستفز مضمونها طيف أو أكثر من أطياف المجتمع، إلى النيابة العامة من خلال شكوى رسميّة، لتتخذ إجراءاتها وفق النظام القضائي الكويتي، من دون تسريبها إلى ما سواه.

التساهل والتسامح مع ناشري مقاطع الفيديو والأمور المستفزّة لشرائح من المجتمع، المزعزعة للسلم الأهلي، ليس مقتصراً على الفتنة الحالية، وليس نتيجة تقصير من طرف الحكومة وحدها. فهي حالة سيئة مزمنة عامة، كانت متحقّقة في معظم الفتن الفئويّة السابقة، وكانت سائدة في الحكومة وفي غيرها، كالنوّاب والنشطاء في وسائل التواصل الاجتماعي.

خطورة هذه الحالة متفاقمة بسبب تسابق الوطنيين وغيرهم إلى شيطنة من يتصدّى لمثيري الفتن الفئوية، من دون تمييز بين الوطنيين الساعين إلى وأد الفتن في مهدها وبين المتكسّبين انتخابيّاً. ورفضنا للتكسّب الانتخابي لا يبرّر التسامح مع ناشري مقاطع الفيديو المثيرة للفتن، ولا الامتناع عن المطالبة بتطبيق القانون عليهم.

الأخطر على المجتمع من المتكسّب انتخابيّاً بحضوره في الأزمات الفئويّة، هو المتكسّب انتخابيّاً بغيابه عنها. وهم الذين التزموا الصمت في الفتن المماثلة السابقة وتمت مكافأتهم بالدعم الإعلامي الواسع في الانتخابات السابقة. وهم الساكتون في الفتنة الحالية طمعاً في الحصول على وسام الوطنية من مثيري الفتن الفئوية في الانتخابات المنظورة. فبالرجوع إلى أجواء انتخابات 2020، نستذكر الدعم الإعلامي الذي حصل عليه النوّاب الساكتون في الفتنة الحالية، من قبل الكوادر التابعة للشخصيات المحورية في تسعير جمرة الفتنة الحالية.

لذلك، وحيث إن التغافل عن خطايا مثيري الفتن الفئوية يُهدّد السلم الأهلي، وتباعاً يُقوّض كل مشروع إصلاحي مأمول، أدعو الجهات الحكوميّة المعنية (الأمنية والمسؤولة عن تنمية ثقافة وسلوك المجتمع) إلى التعاطي العلاجي الوقائي مع مثيري الفتن، كما أدعو جميع النوّاب (الحاضرين في الأزمة الحالية والمعتكفين في صوامع الوطنية) إلى مراقبة ومساءلة تلك الجهات الحكومية في الشأن ذاته، في الفتنة الحالية وفي الفتن التالية متى ما ظهرت بوادرها... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».

abdnakhi@yahoo.com

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي