pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

تقدير المصروفات جاء بناءً على معدلات لم تُراعِ قفزة التضخم غير المتوقعة

تشاؤم حكومي مفرط: الغلاء يلتهم ميزانيات الوزارات مبكراً


- جهات حكومية تعيد احتساب الكلفة المالية لمشاريعها من البنية التحتية
- زيادة عدم اليقين حول كفاية رأسمال بعض الجهات لتغطية مستهدفاتها
- موجة الغلاء أدت إلى انفلات السيطرة على مسار سلع رئيسية إنشائية عدة
- لم يعد ممكناً إقناع المقاول بالعمل وفقاً لأسعار الأساس بالميزانية التقديرية
- اعتمادات تعزيز منسوب السيولة لن تكون رفاهية تشغيلية لدى بعض الوزارات
- جهات حكومية عدة مضطرة لربط الحزام أو تغيير أولوية مناقصاتها ومشترياتها
- «الكهرباء» و«الأشغال» أكثر الجهات التي ستُكافح لتنفيذ خططها نظراً لكلفة مشاريعها

ثمة سؤال رائج هذه الأيام، خصوصاً بين مسؤولي المناقصات والمشتريات الحكومية الكبيرة، وهو باختصار وبعيداً عن أي تعقيد، هل ستكفي ميزانياتنا التقديرية المقررة لتنفيذ مشاريعنا المدرجة عن السنة المالية 2023/2022، أم سنحتاج إلى تعزيز من وزارة المالية وباعتمادات كبيرة؟

مناسبة هذا السؤال، القفزة المحققة خلال الأشهر الماضية بأسعار السلع الرئيسية، وتحديداً عقب اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية، والتي أسهمت في تسجيل معدلات تضخم عالمية تاريخية لم تسجل منذ 40 عاماً، وقادت لموجة غلاء منفلت بمسار سلع رئيسية عدة.

ونتيجة لذلك تعكف جهات حكومية، خصوصاً المعنية بالمناقصات، على إعادة احتساب تكلفة مشاريع البنية التحتية التي كانت على وشك طرحها، وذلك تجاوباً مع ارتفاع أسعار المواد الأولية بمعدلات غير مسبوقة، تمهيداً لطلب إعادة النظر في تقديرها من «المالية».

سلع إنشائية

وهنا قد يعتقد البعض أن قفزة الأسعار تنحصر بالقطاع الغذائي، وهذا بعيد عن احتياجات الجهات الحكومية الإنشائية وميزانياتها التقديرية.

لكن الحقيقة أن قطاع البنية التحتية يمر هو الآخر منذ فترة بمنحنى أسعار غير مسبوق، بعد أن ارتفعت تكلفة بعض السلع الإنشائية الرئيسية إلى معدلات تتراوح بين 40 و100 في المئة.

وهنا يكون السؤال ما انعكاسات الغلاء على مستقبل المشاريع الحكومية؟

درجت الطريقة المحاسبية لدى الجهات الحكومية، لاسيما المعنية بطرح المناقصات، أن تضع ميزانية تقديرية لاحتياجاتها من المشاريع المستقبلية، وفقاً لمعدلات الأسعار المتداولة وقتها، مع تحميلها هامشاً إضافياً يراعي ارتفاعات التضخم التقليدية التي تتم سنوياً، وذلك باعتبار أن هذا التحرك نقطة البداية الرئيسية بإعداد القوائم التقديرية للموازنة العامة.

ويصل إجمالي المصروفات المقدرة للسنة المالية 2022-2023 نحو 21.9 مليار دينار، تتضمن 2.9 مليار إنفاقاً رأسمالياً.

أسوأ سيناريو

لكن المفاجأة أن السنة المالية الحالية ليست مثل كل سنة حكومية، فمستجداتها المالية لا تُشبه حتى عام جائحة كورونا، التي وضع فيها الجميع أسوأ السيناريوهات الممكنة، بعد أن قفزت الأسعار الأشهر الماضية بمعدلات غير متوقعة، وبأكثر بكثير من المسجلة خلال «كورونا»، في وقت يزداد فيه التنافس عالمياً وبالطبع خليجياً على استقطاب مزيد من المواد الأولية، ولو من باب تخزينها لضمان تنفيذ المشاريع في حال انقطاع هذه السلع مستقبلاً.

ونتيجة لذلك تواجه الميزانيات التقديرية للعديد من الجهات الحكومية عن السنة المالية الحالية ضغوطاً كبيرة، إلى الدرجة التي بات بعضها عرضة لالتهام سيولته مبكراً قبل أن يتمكّن من طرح كل مناقصاته المستهدفة، فمحاسبياً لم يعد بالإمكان إقناع المقاول أو المستثمر بتقديم أسعار تناسب هيكل الأسعار التي كانت مفترضة عند إعداد الميزانية.

مشاريع مقررة

وعملياً أدى غلاء الأسعار للمستويات المسجلة أخيراً، والمرجح تناميها الفترة المقبلة، خصوصاً إذا اتسع نطاق التداعيات الجيوسياسية عالمياً، وضربت الصين تايوان، إلى زيادة درجة عدم اليقين لدى مسؤولي الجهات الحكومية من عدم كفاية معدل رأسمال ميزانياتها المقررة عن 2022/ 2023 في تمويل جميع المشاريع والمناقصات المقررة لدى غالبيتها.

فمن الطبيعي ألا يستطيع المقاولون تحمل تكلفة ردم فجوة الأسعار بين المقدر والواقع، خصوصاً بالنسبة للمناقصات التي لم يبدأ تنفيذها، والمشتريات المقبلة.

وإذا كانت الميزانيات التقديرية ترجمة للقرارات المستقبلية، سيكون أمام جهات حكومية عدة التخلي عن بعض مشاريعها، وتحديداً من القائمة المبرمجة للطرح الأشهر المقبلة، على أساس أنها ملتزمة بقيمة مالية محددة لا يمكن تخطيها.

وفي هذه الحالة ستلتزم هذه الجهات بصرف المقدر لها في ميزانيتها، لكن ذلك لن يشمل في الغالب تغطية جميع مشاريعها المخططة، والذي سيأتي طرحها منسجماً مع إمكاناتها المالية.

مستويات كبيرة

أما السيناريو الثاني الذي يُمكن للجهات الحكومية اللجوء إليه، فيتعلق بمدى قدرتها على إقناع مسؤولي السيولة العامة على زيادة اعتماداتها المالية لتعزيز ميزانيتها عن السنة المالية الحالية، خصوصاً إذا جاء المستهدف منها بمستويات كبيرة جداً، وبالطبع هذا يعتمد بحد كبير على مدى ملاءة الاحتياطي العام في تمويل الاعتمادات الإضافية، ووجاهة التمسك بها.

ولعل أكثر الجهات التي ستكافح في تنفيذ مشاريعها مع تنامي موجة غلاء الأسعار وزارتا الكهرباء والماء، والأشغال، وكذلك النفط التي لديها مشاريع وفقاً لبرامج خطتها السنوية 2022/ 2023 تفوق 260 مشروعاً في 3 جهات فقط.

وإلى ذلك يرى البعض أن التحسّن الحاصل في مستويات أسعار النفط خلال أشهر الغلاء نفسها التي يمر بها العالم أسهمت في رفع مستويات فوائض سيولة الاحتياطي العام إلى مستويات غير متوقعة أيضاً، ما يُحسّن فرص مغازلة مسؤولي السيولة العامة في وزارة المالية للموافقة على رفع منسوب الميزانيات التقديرية للجهات المستحقة الاعتمادات الإضافية.

إلا أن لذلك محدداته أيضاً، حيث انتهج مسؤولو السيولة أخيراً الاستفادة من التحسّن الملحوظ في مستويات السيولة المسجلة بـ«الاحتياطي العام» بتوظيفها حسب الأولوية، وفي مقدمة ذلك تخصيص 300 مليون دينار شهرياً لسد العجز المحقق في موازنة السنة المالية الماضية، إضافة لسداد المتأخرات الحكومية الملحة والتي تدخل ضمن تبويب السنة المالية الحالية.

وهذا يعني محاسبياً أنه على الجهات التي لديها مناقصات ومشتريات تخشى انفلات قيمتها إما إقناع مسؤولي «المالية» بأولوية مشاريعها المرصودة لبقية السنة المالية الحالية، أو ربط الحزام وترحيل بعضها إلى السنة المقبلة.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي