pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

إطلالة

«هل نحن جادون في اجتثاث مدركات الفساد «2»؟

في الفترة الماضية حينما تحدث صديقي خالد الفالح، المفكر الاستراتيجي والخبير المالي والاقتصادي، عن الفساد والموضوعات التي تنخر مجتمعاتنا العربية، اعتقدت أن صديقي خالد قد انتهى عند ذلك الحد، واكتفى من التعبير عما يدور بخلده، ولكني اكتشفت برسالته من تونس أنه يحمل الكثير من الهموم بالموضوعات التي تنخر مجتمعاتنا العربية التي نروم الى رقيها، ولكن لا نجد السبيل إلى ذلك، وهذا ما ينتج في بعض الأحيان شيئاً من الألم العميق حتى الإحباط على هذه الأمة التي تمتلك كل أسباب الرقي والتقدم ولكن تبقى تراوح بمكانها، فلعل لم يقع تشخيصها حتى الآن، وحتى وان شخصت تلقى مقاومة شديدة لتذليلها والانعتاق منها.

فعندما نلتقي بمفكرين ومثقفين نكون في أرقى مراتب السعادة لتتضافر جهودنا حتى نسمع أصواتنا، فقال صديقي خالد، أرجو أن يتسع صدر أي قارئ من قراءة مقالك لهذا النقد اللاذع الذي يمس كل المعوقات السياسية والأخلاقية التي يجب أن ننفض عليها كل الغُبار والأدران التي شابتها وتشوبها عبر كل هذه الأحقاب، لكي نجد السبيل إلى تنقيتها حتى تستجيب إلى العلم والواقع وتتمظهر في أسس التحضر.

مؤكداً مرة أخرى أن الفساد موضوع حساس جداً كونه ينخر في جسد الأمة العربية من المحيط إلى الخليج «فهل نحن حقا نريد أن نصلح أنفسنا؟» يبدو أن دولنا مستهدفة في جغرافياتها لأن حركة الحضارة التاريخية تبين لنا أن الأمم التي لا تنتج إلا الفساد والإجرام هي زائلة لا محالة وإن امتلكت أساليب القوة الزائفة كالعسكر والأسلحة وحتى المال والاعلام في عصرنا الحاضر، حيث قال خالد الفالح من خلال تجربتي كخبير مالي واقتصادي وجدت أن أكثر المعوقات التي أتعرّض لها هي الانعدام التام للفهم العلمي والاستراتيجي لحركة العالم، وبالتالي فإن الفساد الذي تعيشه مجتمعاتنا منبعه من مخلفات معاملاتية عدة، اجتماعية، أخلاقية، فالإنسان العربي نشأ عبر التاريخ في بيئة شاسعة قليلاً ما تحكمه الحدود الجغرافية حتى أنه يتنقل بسهولة في كل الاتجاهات لكي يجد الكلأ لحيواناته والسلع لتجارته، والأفق لعلمه، وبالتالي فإن تعطل الرزق قام بالإغارة على جيرانه لكي لا يموت جوعاً!

فهذه العقلية خلقت منه كائناً فردياً يصعب عليه استيعاب مفهوم المواطنة للتحرك في منظومات مجتمعية تحدد له أهدافاً عليا للعلم والعمل تكون رافعة لبرنامج حضاري فيه من المقومات ما يجعله شعباً متجانساً يهب بكل ما أوتي من قوة وثروة ليعزز من ركائز مقاوماته الوجودية التي حدّدها وعيه الجمعي الذي ثار من أجله وأسس دولة راقية يسودها العدل ويحكمها القانون، وهذا ما يسمى مجتمع المواطنة الذي يعتبر كل فرد فيه عضواً من أعضائه إذا مرض تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، كما في الحديث الشريف.

فمفهوم المواطنة الحديث الذي تكون الدولة فيه راعية لحقوق الناس تحت طائلة القانون الذي لا يُستثنى أحد من تطبيقه، فتجد أن المواطن مطمئن على حقوقه ويؤدي واجباته بكل سلاسة وباحترافية عالية لأن شعوره بالمسؤولية نابع من وطنيته وغيرته على شعبه بدافع الرقي والنجاح لكل مجموعته الوطنية التي تبذل كل ما في وسعها للمساهمة والمشاركة في مجهودها المشترك نحو تحقيق أهدافها العليا، وبالتالي الحلول هنا تكون نابعة من أنفسنا التي يجب أن نزكيها ونهذبها وننسجم مع قيمنا وديننا القويم الذي تخلفنا عن فهمه الصحيح، فأطنبنا في تفصيل فروعه والالتزام بها كما فعل بنو إسرائيل حين أمرهم الله أن يذبحوا البقرة لتكون شاهداً على من قتل النفس الزكية، فأطنبوا في السؤال عن ماهيتها وحتى لونها ونسوا المغزى من ذبحها!

وكذلك نحن ضيعنا أيضاً أصول ديننا القيم وتهنا عن أسسه البيّنة من عدل وإحسان وإيتاء ذي القربى وألا يعتدي بعضنا على بعض في أموالنا ومعاملاتنا وأن نؤدي الأمانات إلى أهلها ونكون على خلق عظيم، ويحب أحدنا لأخيه ما يحبه لنفسه ونجتهد في طلب العلم، فالحكمةُ ضالة المؤمن كما في الحديث الشريف، ولا نكون كالأعراب الذين أسلموا ولما يدخل الإيمانُ في قلوبهم أو كالحمار الذي يحمل أسفاراً كما ذكرهم رب العالمين، فهذه هي أسس العيش المشترك التي أمرنا الله عز وجل باتباعها.

ومن هنا نبدأ بالإصلاح، وعلى هذه الأسس نبني ومن هذه المدرسة العظيمة نربي أجيالنا القادمة، فتصلح مجتمعاتنا بما يرضي الله وما بلغه رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام...

ولكل حادث حديث،،،

alifairouz1961@outlook.com

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي