pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رؤية ورأي

الوقفة الاحتجاجية في ساحة الإرادة

من الأمور المتوافق عليها محلياً ودولياً اعتبار التعليم الركيزة الأساسية لنهضة الدول، بمعنى أن تنمية الدول لا يمكن أن تبدأ قبل إصلاح وتطوير منظومة التعليم فيها. ولكن العديد من الدول تجهل أو تتجاهل الجانب الآخر للتعليم، الضرر الكامن الخطير لتدني مخرجاته ودوره في تقويض نظامها العام.

وتعتبر الكويت إحدى تلك الدول التي يجب أن تسارع في تنقيح سياساتها التعليمية لتستعيد وتعزز استقرارها السياسي. فتدني مخرجات منظومتها التعليمية أحد العوامل الرئيسة لاستمرار وتفاقم حالة «اللا استقرار السياسي» المتموّجة التي تعاني منها على مدى السنوات الأخيرة.

قبل توضيح أبعاد الإشكالية التعليمية السياسية لا بد من الإشارة إلى أن للتعليم ثلاثة نطاقات رئيسة هي المعرفي (Cognitive) والحركي النفسي (Psychomotor) والسلوكي (Affective). ويتمحور النطاق المعرفي - الأكثر ارتباطاً بالإشكالية - حول تداول المعلومات والتفكير الناقد، من خلال أربعة مستويات متتالية.

الثلاثة الأولى منها معنية بمهارات أدناها تذكر المعلومة، تليها فهم المعلومة وإدراكها، ثم الاستفادة منها في التطبيقات العمليّة.

وأما المستوى الرابع الأرقى فيُعنى بالتفكير الناقد، ويحتضن ثلاث مهارات هي: تحليل المعلومة إلى عناصرها الأولية، وتقييمها وفق المعايير الملائمة، وتوظيفها في الوصول إلى استنتاجات.

في الكويت، يؤكّد تربويّون أن منظومتها التعليمية تسمح بتخريج طلبة اكتفوا باكتساب المهارة الأدنى في النطاق المعرفي، وهي مهارة تذكر المعلومة. كما ثبت لديهم وجود ضعف عام لدى الخريجين في مهارتي فهم المعلومة والاستفادة منها في تطبيقات حياتية. فضلاً عن ضعفهم الشديد في مهارات التفكير الناقد الثلاث. لذلك أصبحت نسبة كبيرة من الشعب، الخريجون عبر سنوات متتالية، فرائس سهلة لضباع السياسة.

ومن باب المثال على انتهازية سياسيّين للضعف في مهارة فهم واستيعاب المعلومة لدى جمهورهم، استذكر رد أحد مستجوبي الرئيس صباح الخالد، على اتهام الخالد له بمخالفة اللائحة الداخلية لمجلس الأمّة بخرقه السرية في التصويت لرئاسة المجلس الحالي. حيث اعتمد هذا النائب على تزييف مفهوم سريّة الاقتراع في ردّه على الخالد، فادعى أن تصوير ورقة التصويت مع «الباركود» لم يهتك السرّية، بذريعة أن التصريح عن اسم المرشّح الذي صوّت لصالحه ممارسته إشاعة في الكويت. وكما كان متوقعاً، هذا الرد المغلوط لم يُستنكر في وسائل التواصل الاجتماعي، بالرغم من العلم المسبق لدى جل الناخبين أن تصوير ورقة التصويت يعتبر هتكاً لسرية التصويت في انتخابات أعضاء المجلس وموجباً لإلغاء الورقة، وهو مختلف كلياً عن التصريح غير المدعوم بدليل قاطع.

الشاهد أن معظم الناخبين يفتقدون مهارة الرجوع إلى المصادر المعتبرة للمعلومات لفهمها واستيعابها، ولذلك مفاهيمهم السياسية هلامية، يُشكلها ويعيد تَشكيلها الرموز السياسية – الصادقة والمحتالة – والزخم الإعلامي وتوجهات النشطاء – المخلصون والمرتزقون – في وسائل التواصل الاجتماعي.

لذلك، بالرغم من دعواتي المتكرّرة للإصلاح ومكافحة الفساد، ينتابني شعور بالاستياء العميق والخوف الشديد كلما شاهدت تجمّعاً في ساحة الإرادة للتنديد باستشراء الفساد وللمطالبة بالإصلاح، وأحدثها تجمّع الأسبوع الماضي. والسبب الرئيس وراء هذا الشعور الغريب المتناقض مع دعواتي، هو أنني أرى في تلك التجمعات العديد من الشواهد على اختطاف الرغبة الشعبية بالإصلاح من قِبل سياسيين مخادعين، يستغلون تلك الرغبة ويقودون المساعي والهمم الإصلاحية في اتجاه خاطئ، نحو مشروعهم السياسي الشخصاني، بعيداً عن الإصلاح المؤسسي والمنهجي.

ومن بين تلك الشواهد غياب أولويّة إصلاح التعليم عن ساحة الإرادة، وانكشاف تدني مخرجات التعليم في تناقضات المشاركين، الذين استقبلوا في الوقفة الاحتجاجية على حالة «الفراغ السياسي» نوّاباً تسبّبوا أو شاركوا بأدائهم البرلماني في إسقاط البلد في هذا الفراغ. وعوضاً عن طرح حلول لاستئصال أسباب السقوط في الفراغ، تمت شخصنة طرح الأزمة واقتراح الحلول... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».

abdnakhi@yahoo.com

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي