pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

«الراي» تُواكِب ميدانياً مسارَ انتظام النقد وأسواق الاستهلاك

مبادرة مصرف لبنان لإعادة «الاعتبار» لليرة على محكّ منظومة السلطة

مصرف لبنان المركزي
مصرف لبنان المركزي

أظهر إشهارُ مصرف لبنان المركزي نيّتَه التدخلَ الواسع في إدارة المبادلات النقدية بدءاً من مطلع الأسبوع المقبل، مدى «التورم» في عمليات التسعير التي تلاحق قيمة العملة الوطنية في الأسواق غير النظامية، والتي يتولاها متموّلون وصرّافون لا يمكن استبعاد صلاتهم المباشرة بجهات نافذة في السلطة وخارجها.

فمن دون ضخّ أي دولار من البنك المركزي الذي أصدر تعاميمه مساء الجمعة بعد انتهاء دوامات العمل الرسمية وعشية عطلة نهاية الاسبوع، تكفّلتْ الصدمة النفسية الفورية لبيانٍ مسائي يحمل توقيع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بانقلابٍ مشهود لحركة الطلب الكثيف على الدولار بسعر يقارب 38 الف ليرة، الى عروض أكثر كثافة تدحرجت فيه المستويات السعرية سريعاً الى عتبة 27 الف ليرة لكل دولار، أي ما يقارب 30 في المئة على دفعات متلاحقة تابعها المقيمون بسهولةٍ عبر التطبيقات الالكترونية على الهواتف الذكية.

وريثما يشرع مصرف لبنان بتنفيذ عمليات المبادلات بسعر يقارب 24.6 ألف ليرة لكل دولار، وهو السعر الأحدث الذي اعتمده على منصة «صيرفة» التي يديرها، تم رصد تحولاتٍ نوعيةً في أسواق الاستهلاك التي كانت تعتمد للتو تسعيرة 40 ألف ليرة للدولار، بحيث بدأت العَدّادات تسجّل تراجعاتٍ ملموسةً في أسعار السلع والمواد التي توافرت فجأةً بكثرةٍ على الرفوف بعد إحجام مشهودٍ عن عرض كميات منها في صالات السوبر ماركت ومحلات التجزئة، ولكن من دون أن يبلغ الهبوط مستوى التحسن النوعي الكبير الذي طرأ على سعر الليرة في أسواق الصيرفة.

وبالتوازي، وقّع امس وزير الطاقة والمياه في حكومة تصريف الاعمال وليد فياض جدولاً استثنائياً حَمَلَ خفْضاً يقارب 15 في المئة لأسعار مادتيْ الغاز والديزل، رغم أنه يوم عطلة رسمية، ردّه الى «الانخفاض الكبير لسعر صرف الدولار الاميركي خلال الساعات القليلة الماضية، وبهدف إعادة التوازن الى السوق النفطي المحلي، والأهم حفاظاً منه على مصالح المواطنين الذين يئنون تحت وطأة إرتفاع الأسعار قياساً لسعر صرف الدولار». علماً أن الجدول لم يشمل البنزين كون سعر هذه المادة يتعلق مباشرة بسعر صيرفة الذي لم يتأثر بنفس تقلبات صرف الدولار والذي سيصدر عن مصرف لبنان نهار الاثنين.

وفي الخلفية، بدا التهيّب من التطورات ومآلاتها صريحاً في أوساط أركان الدولة، مشفوعاً بحال الهلع التي تفاقمت في صفوف المواطنين خوفاً من سرعة وتيرة الانهيارات المستجدّة نقدياً ومعيشياً، ووقوع الأجهزة الأمنية والعسكرية أفراداً ومؤسسات تلقائياً تحت وطأتها بسبب ضآلة الامكانات والتضخيم المتفلت للمصاريف.

وبالفعل فإن الوقائع الميدانية والمؤشرات السابقة للاعلان عن فحوى التدخل الكبير الذي قرّره مصرف لبنان، كانت بدأت تشي بأن استمرار تفلت انهيار الليرة خارج أي سقوف ودخول البلاد في أخطر حلقات التضخم المفرط ستفضي حكماً الى اضطرابات قد تتعدى النطاق الاجتماعي المعترض أو الثائر بسلميّةٍ معهودة، لتنذر بزعزعة الاستقرار الداخلي الهش وتشريع الميدان لتداعيات لا تحمد عقباها.

وبذلك، رجحت مصادر مصرفية مواكبة لـ «الراي» ان تكون مبادرة السلطة النقدية منسّقة مسبقاً مع أركان السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولا سيما أن الحكومة باتت في وضعية «تصريف الأعمال» التي تحول دون دينامية سريعة لأي تحرك، انما يمكنها تأمين التغطية المطلوبة من السلطة التنفيذية لقرارات طارئة يتخذها مصرف لبنان. كما أن المبادرة تتزامن عملياً مع الحاجة الى أجواء ملائمة تواكب الانطلاقة المتجددة للسلطة التشريعية، بعد تحديد يوم الثلاثاء موعداً لتدشين مهام مجلس النواب المنتخب منتصف الشهر الحالي وحسْم جدلية تجديد انتخاب نبيه برّي رئيساً للمجلس بمعزل عن عدد الأصوات التي سيحصل عليها.

وتؤكد المصادر أن البُعد التقني للمبادرة قد لا يشجّع على الكثير من التفاؤل لفترة طويلة بإمكان إعادة التحكم المركزي بسعر العملة الوطنية والانتظام إلى أسواق القطع والمبادلات السوقية للعملات، وخصوصاً من حيث محدودية وفرة السيولة بالدولار لدى البنك المركزي البالغة نحو 10 مليارات دولار تعود بكاملها للتوظيفات الإلزامية الخاصة بالودائع، مقابل كتلة نقدية ضخمة تتعدى 41 تريليون ليرة وذات قابلية لزيادات بديهية نظير الصرف الحكمي الشهري لرواتب القطاع العام ومصاريف الدولة. مع التنويه أيضاً بتوافر سيولة إضافية بنحو 1.1 مليار دولار تمثّل المبلغ الوارد للحكومة من حقوق السحب الخاصة لدى صندوق النقد الدولي، ويعود لها حصراً قرار التصرف بها وتحديد وجهة إنفاقها.

ومن هنا، تضع المصادر المبادرةَ النقدية وفعاليتها وأمدها قيد امتحان منظومة الدولة بسلطاتها كافة، محذّرةً من مَخاطر غير مسبوقة في حجمها ونوعيتها وتداعياتها في حال سحب الغطاء السياسي عن التدخل النقدي الحاسم الذي يعتزم البنك المركزي تنفيذه.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي