pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

قيم ومبادئ

المدنية بين المسيحية والإسلام!

كل مسيحي متمسك بيسوعيته يعتقد أن الإسلام دين من صنع البشر، ابتدعه رجل عربي بدوي أُمي يعيش في الصحراء، وما اطلّع في حياته على رقعة مكتوبة ولا دخل مدرسة ولا سمع حكمة اليونان ولا حتى رأى حضارة الرومان؟ ولا يعرف شيئاً عن حياة المدنية!

وأما ما نقرأه اليوم لبعض علماء الغرب النصارى من وصف الدين الإسلامي بصفات جميلة، أو مدح أخلاقه وشرائعه، فإنما هي صحف مكتوبة بأقلام مؤرخين أدّوا للتاريخ حق الأمانة في النقل بصدق فلم يعبث التعصب الديني بعقولهم، ولا تمشت الروح الصليبية في عروقهم... ولا تعجب إذا قرأت مما كتبه جماعة من المبشرين من شبهات حول القرآن الكريم بعد اعترافهم بأنه كتاب عربي نطق به - على حسب معتقدهم - رجل هو في نظرهم أفصح العرب، ولكنه على زعمهم الباطل يوجد فيه لحن وفيه خطأ في الإعراب؟ وليست مسألة الإعراب واللحن في اللغة العربية مسألة عقلية يكون للبحث العقلي فيها مجال، وإنما الإعراب ما نطقت به العرب قبل خلط الأنساب واللحن ما لم ينطقوا به.

فالقرآن حجةٌ على النحاة وليس النحاة حجة على القرآن، فإذا وجدنا في بعض تراكيب القرآن ما يخالف قواعد النحاة حكمنا بأنهم مقصرون في التتبع والاستقراء، رغم أنهم ما قصروا بشيء وما تركوا كثيراً ولا قليلاً ولا نادراً ولا شاذاً إلا دونوه في كتبهم، فما في القرآن لحن ولا النحاة مقصرون ولكن المبشرين جاهلون.

ولو استعرضنا التاريخ الكنسي من أوله إلى آخره لعلمنا يقينا مقدار الشقاء والحرمان وزوال العلم والعلماء في تاريخهم، فأول تاريخهم يبدأ بالتآمر على قتل المسيح، ثم الاختلاف فيه، ثم تفرق تلاميذ المسيح في الوديان والخلوات والجبال فراراً بدينهم، فمتى كانت المسيحية مبعث العلم والعرفان وشمس المدنية والعمران؟ وفي العصور التي دارت بها الحروب بين الارثوذكس والكاثوليك والبروتستانت وعصر صكوك الغفران التي ملك فيها الكاهن إرادة الفلاحين وأصحاب الحرف والمهن الوضيعة ولا يعلمون من دينهم إلا ما يعلمهم إياه الكاهن وهو يحمل البخور ويغطي وجهه للشعوذة ويردد التعوذات والترانيم للشفاء من الأمراض وطرد الشياطين!

أم كانت المدنية في العصر الذي كان يُحرم فيه البابا - الكاهن الأعظم - على المسيحيين في أوروبا أن يقرأوا أي كتاب غير الكتاب المقدس، أو أن يتلقوا علماً في مدرسة غير مدرسة الكنيسة؟

أم في العصور الوسطى حين رأى المسيحيون المذنّب ليلاً في سماء أوروبا فذعر لرؤيته المسيحيون ورفعوا إلى البابا عرائض الشكوى والتذمر فطردها من الأفق فولّت الأدبار؟

أم في العصر الذي وثقّت فيه مدام توسو عام 1761 جرائم محكام التفتيش لمحاكمة العلماء المتهمين بمزاولة العلوم بتهمة الهرطقة، والتعامل مع الشياطين فحكمت في وقت قصير على ثلاثمئة وأربعين ألفاً بالقتل حرقاً أو صلباً أو بالخنق وبالخازوق؟ حتى أصبح اليوم متحف الشمع معلماً سياحياً يعكس مقدار الشقاء والجهل في تاريخ المسيحية، هذا الذي نعلمه ويعلمه كل منصف من تاريخ العلم والمعرفة والمدنية والحضارة في العصور المسيحية!

والحقيقة التي لا يمكن القفز عليها أن المدنية الحديثة ما دخلت أوروبا إلا بعد أن زحزحت المسيحية منها لتحل محلها، فلا علاقة بين المسيحية والتمدين الغربي من حيث الاستدلال به عليها أو باعتبار أنه أثر من آثارها، ونتيجة من نتائجها، ولو كان بينه و بينها علاقة ما افترقت عنه قرابة 19 قرناً كانت فيها أوروبا وراء ما يتصوره العقل من الهمجية والغثاثية والوحشية والجهل فما نفعتها مسيحيتها ولا أغنى عنها كهنوتها ولا إكليروسها من الله في شيء!

أما المدنية الإسلامية فإنها طلعت مع الإسلام في سماء واحدة، من مشكاة واحدة وفي وقت واحد، ثم سارت إلى جانبه كتفاً بكتف... جاء الإسلام يحمل للنوع البشري جميع ما يحتاج إليه في معاده ومعاشه ودنياه وأخراه وما يفيده منفرداً وما ينفعه مجتمعاً، هذّب عقيدته من الشرك ثم أرشده إلى طلب العلم، وعلمه أن الإنسانية جميعها مكرمة عند الله، لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، وأرشده إلى محاسن الأخلاق وكف عنه رذائلها وأوصاه بالزوجة والوالدين والأقرباء، ورغّبه بالعطف على الفقراء ووضع له قوانين البيع والشراء والرهن والهبة والقرض والتجارة والإجارة والمزارعة والوقف والوصية والإرث، ليعرف كل إنسان ما له وما عليه ثم قرر له عقوبات زواجر وجوابر تمنعه من الظلم والبغض على الناس وحرم عليه الدخول في الفتن أو الخروج على الأمير والسلطان.

الخلاصة:

أشرقت شمس العرب على الغرب فأبصرها الأذكياء منهم فانتبهوا من سباتهم فقالوا:

«أيمكن أن يعيش الإنسان على ظهر الأرض حراً لا يستعبده ملكٌ ولا يسترقه كاهن؟»

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي