pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

قيم ومبادئ

الإصلاح والأحزاب الديموقراطية!

كل حزب من الأحزاب العربية وغير العربية يزعم أنه يريد الخير للبشرية ويقصد الإصلاح الشامل، ولكن هذه الدعوى كذّبها الواقع اليوم، بل أصبح الضرر العام الشامل إنما يأتي من هذه الأحزاب الجاثمة على صدور الأنظمة الحاكمة.

فبعض هذه الأحزاب يُصلح قليلاً ويُفسد كثيراً، ومنها أحزاب تعطل الإصلاح أصلاً ويفسد كل طريق إليه، لأن مبادئ الحزب تحوي مقدمات الفساد ولوازمه!

ولسنا بحاجة إلى بحث طويل لتوضيح المراد ولكن يكفي أن نعرف مثلا بأن الطبيب الذي يداوي جميع الأمراض بدواء واحد هو طبيبٌ فاسد!

وهذا الطبيب العام الذي يصرف وصفة واحدة في الشتاء والصيف للجميع يزعم الطب ولا طب له ولا يصلح للتطبيب.

وعليه نقول، فاذا كان طب الأمم والشعوب والمجتمعات التي يحاول هذا الطبيب الجاهل المزعوم مداواتها من جميع العلل بوصفة واحدة وينسى ذلك الطبيب أن الأمم تتفاوت في الطباع والعلل وتختلف في أسباب الشكوى كما تتباعد في أسباب البرء من شكواها ولا يمكن أن يحدث أنها في وقت واحد من الأوقات تشكو كلها من علة واحدة كما لا يصح أن تصح كلها بعلاج واحد... فقد يكون الشفاء لواحدة منها مرضاً لغيرها وقد يكون النظام الذي يضرها في فترة من الزمن هو المنفعة في غير تلك الفترة وهكذا.

ولهذا نجد أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، شبّه هذه الأمة الإسلامية بالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر، فاذا بدأت الأمة بالشعور بألم المرض الذي ألمّ بها فتبدأ بالبحث عن علته، وقد تهتدي إلى العلة مرة وتضل عنها مرات وهي خلال هذه الفترة تتعلّم وتقترب يوماً بعد يوم إلى العلاج الناجع.

هكذا إذاً يكون العلاج الذي تستمده الأمة من تراثها وأصولها وتعتمد فيه - بعد الله - على تجاربها وفكرها فتختار حكومة بعد حكومة ومجلساً بعد مجلس، وتنشئ نظاماً بعد نظام، وتشرع في التجربة ثم تمضي فيها أو تعدّل عليها، وبهذه الطريقة تتربى الأمم وتنشأ الأجيال وتتقدم حتى تبلغ رُشدها أو تكاد عن طريق النمو الطبيعي الذي ينمو عليه جميع الأحياء في هذا الكون ولا يمكن أن يكون الإصلاح بجرة قلم أو بقنبلة ذرية تنسف الواقع كله.

والسؤال الذي يستحق طرحه الآن ماذا جنت البشرية من حكم الشيوعيين والليبراليين واليهود؟ فهلا تركوا الشعوب تتربى وتتعلّم وتستفيد من تجاربها وتتخذ لها من ماضيها سبيلاً إلى حاضرها، ومن حاضرها سبيلاً إلى مستقبلها؟

كلّا وألف لا... لم يفعلوا من ذلك شيئاً ولم يميّزوا بين أمة وأخرى في علل فسادها وأسباب صلاحها، بل جعلوا جميع العالم مريضاً واحداً يتداوى بعلاج واحد وهو مبادئ الحزب ومقومات النظرية الشيوعية أو الرأسمالية أو مصالح اليهود الكبرى، وبقاء دولة إسرائيل؟

في الوقت الذي نجدهم صنعوا كما يصنع أصحاب الدجل والشعوذة والخرافيون الذين يدعون الناس إلى ترك دوائهم، وترك أطبائهم ويصنعون لهم أكسير السعادة الذي يشفي جميع السقام ويحقق لهم النهضة واللحاق بركب الحضارة التي يحملون لواءها اليوم ولا يحملها أحد غيرهم!

والحقيقة أقول إن اسم الدجال هو الاسم الوحيد الذي ينطبق على ما يتعاطى الطب بهذه الطريقة في هذه الحياة الدنيا ولكن هؤلاء ينكرون أنهم دجالون بل يزعمون أنهم ديموقراطيون، وقد وصفوا وصفة واحدة للهند والصين والعراق ومصر واليمن ولبنان وبلاد المغرب، وجنوب شرق آسيا، وهذه الوصفة تصلح لعلاج الحمى والزكام والجنون والجذام والطاعون ولعنة الجنون وتشفي من الكسور والجراح والعجز والكساح، وتصلح لكل إنسان في كل زمان ومكان! فانطلق اللاهثون وراء سراب الحضارة الغربية يبشرون بها افاق الارض... وآفة هذه المذاهب أنها تعطل الاصلاح الحقيقي فهو لا يعالج أدواء الأمم ولا يتركها تلتمس دواءها من فطرتها وتاريخها الإنساني المشرق!

وقد ظهرت عواقب هذا البلاء اليوم بصورتها البشعة التي كشّروا فيها عن أنيابهم جميعاً في حرب أوكرانيا بعدما تعافى العالم من «كورونا» فماذا جنينا من ديموقراطية أميركا وانكلترا؟

وماذا حصدنا من ماركسية موسكو، وعنجهية تل أبيب؟ أين ذهبت حركات التحرر والاستقلال التي دبت في عروق الشرق وسالت من أجلها دماء الشهداء... لا فرق في الحقيقة والواقع بين كثير من الدول والشعوب في العالم الثالث اليوم وبين كثير من الامم والشعوب كما كانت قبل مئة سنة، فانظر الى بلاد أفريقيا مثلا ما زالت تحت خط الفقر رغم جثوم المستعمر على صدرها إلى اليوم ولا تزال هذه الامم في حاجة الى التقدم بوسائلها التي لا تتشابه بين أمة وأخرى ولا يتأتى الاعتماد فيها على شيء غير تراث الامة الاسلامية الاصيل... فمن قديم الزمان لم يعرف الإنسان سبيلاً إلى إصلاح عيوبه غير محاسبة نفسه والعودة باللائمة على حاله فيندم المخطئ على خطئه ويجتهد العاجز من استدارك نقصه، فأين ديموقراطية الإصلاح التي يزعمون؟

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي