pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رؤية ورأي

الدولة الرخوة

نشرت جريدة «عالم الثقافة» مقالاً بعنوان «الدولة الرخوة» في أواخر عام 2020. وانتشر المقال في حينه في وسائل التواصل الاجتماعي، ثم أعيد نشره بكثافة خلال الأيام الماضية. واعتبر مراقبون سياسيون أن هذه الإعادة مؤشر على تجدد حالة الإحباط لدى الشعب وفقدانه الثقة في قدرة مجلس الأمّة على تبني مشروع الإصلاح في الكويت.

ولكي يتّضح مصطلح «الدولة الرخوة»، تنبغي الإشارة إلى أن أول من استخدم المصطلح (Soft State) هو الاقتصادي السويدي البروفيسور غونار ميردال Gunnar Myrdal – الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 1974 بالمشاركة مع زميله Friedrich Hayek – وكان ذلك في كتابه الصادر في عام 1968، الذي جاء فيه أن دول جنوب آسيا وعموم الدول النامية تعتبر دول رخوة لكونها تعاني من حالة عدم انضباط عامة، من حيث إن تلك المجتمعات فقدت القدرة على الالتزام بالمعايير وفرض القانون، نتيجة لتبنّي معظم أفرادها – من جميع المستويات – الخيار الناعم أو «الرخو» المتمثل في ممارسة ما هو شائع وشعبوي بدلاً من القيام بما هو صواب. وخلص إلى أن هذه الإخفاقات المزمنة أضعفت بآثارها التراكمية مؤسسات تلك الدول وأنتجت مستويات عالية غير مقبولة من الفساد، التي بدورها أثّرت سلبا على خطط ومشاريع التنمية لديها.

بعد أكثر من نصف قرن على إصدار كتاب البروفيسور ميردال، نجد أن الأمثلة كثيرة على تبنّي الخيار «الرخو» في مجلس الأمة بمجمله أو من قبل بعض التكتلات البرلمانية التي تدعي الإصلاح، وقد يكون أبشعها تصريحات نوّاب أكاديميين ضد قرار وزارة التربية في العام الماضي باعتماد الاختبارات الورقية للمرحلة (12).

المشكلة في الأداء البرلماني للعديد من أعضاء مجلس الأمة لا تقتصر على اختيار المسار الشعبوي «الرخو» على حساب المسار الرشيد، بل تتضمن أيضاً التقاعس في تبني خيارات شعبوية رشيدة. والأمثلة على ذلك متعدّدة، من بينها مجموعة من الإصلاحات التشريعية الشعبوية المطلوبة لترسيخ النزاهة والشفافية المالية في مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الهيئة العامة للاستثمار ومؤسسة التأمينات الاجتماعية. وهي إصلاحات منسية أو مهملة بذرائع مختلفة من بينها عدم وجود العدد الكافي من النوّاب الداعمين.

إلى جانب ما سبق، عانت الكويت من نهج برلماني دخيل يُعجّل في إرخاء الدولة، لم يشر إليه البروفيسور ميردال في كتابه. يتمحور هذا النهج حول الهمجية والإفراط في استخدام الأدوات الدستورية كالاستجواب. حيث تسبب هذا النهج البرلماني الدخيل في إرخاء المؤسسة التشريعية ودفعها في دور الانعقاد السابق إلى هاوية إقرار إجراء كارثي غير دستوري بتأجيل الاستجوابات المزمع تقديمها إلى رئيس الوزراء.

وعلى الضفة الأخرى، الحكومة أيضا مشاركة في إرخاء الدولة، وذلك بمحورين متوازيين: مباشر وغير مباشر. فبالنسبة للمحور المباشر، اعتادت الحكومات المتعاقبة على الانتقائية في تطبيق القانون بتعسّف في مقابل تغاضيها عن فرضه في حالات كثيرة أخرى. وأما بالنسبة للمحور غير المباشر، فأوضح مظاهره الارتباك المتكرر للحكومة أمام النهج البرلماني الهمجي. وكان آخرها استمرار التزام الشيخ صباح الخالد بـ «اللاءات الثلاث» وصعوده منصة الاستجواب رغم علمه بعدم دستورية جوانب من الاستجواب.

لذلك يرى مراقبون سياسيون أن عودة الخالد ضرورية لتصحيح خطأين جسيمين مترابطين، تسببا في المزيد من الإرخاء للمؤسسة التشريعية بشكل خاص وللدولة بشكل عام، ويصعب على خليفته تصحيحهما. الأول هو «اللاءات الثلاث» الذي قاد إلى الخطأ الثاني وهو قرار «تأجيل المزمع». فالمرحلة تتطلب عودة الخالد ولكن متمسكاً بحق الحكومة الدستوري في اللجوء إلى المحكمة الدستورية، وبحقها اللائحي في اللجوء إلى اللجنة التشريعية لإعداد الرأي الفني الاستشاري غير الملزم... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».

abdnakhi@yahoo.com

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي