pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رؤية ورأي

إضراب «البدون»

بعد البيان الذي أصدرته مجموعة من القوى السياسية وهيئات المجتمع المدني، الذي تضمّن دعوة المعتصمين في خيمة «الإضراب عن الطعام» إلى مشاركتها في تنظيم مؤتمر حول هموم «البدون»، ووعدوهم بانعقادها خلال مدّة لا تتجاوز شهرين، وإبقائها في حال انعقاد دائم ومفتوح؛ نشر الناشط محمد البرغش بياناً باسم المضربين عن الطعام أعلن فيه تعليق الإضراب.

أعجبتني جزئيّتان في بيان القوى السياسية. الأولى هي الإشارة الصريحة إلى أن «قضية البدون في دولة الكويت هي مأساة حقيقية فاقمها انعدام الإرادة الرسمية لحلها حلاً جذريّاً شاملاً ومنصفاً». والجزئيّة الثانية هي الوضوح في «نطالب مجلس الأمة بسرعة العمل على إقرار تشريع عادل يضمن الحقوق الإنسانية بصفة الاستعجال».

السخط من تخاذل مجلس الأمة في قضية «البدون» كان صريحاً أيضاً في بيان «المضربين عن الطعام»، حيث جاء في بيانهم أن من أهداف الإضراب «وضع أبناء الشعب الكويتي الحر أمام مسؤولياتهم بعد كشف زيف الادعاءات وصدق المعاناة، وبعد أن تخلّى نوّاب الشعب الذين اعتقدناهم الملجأ عن مسؤولياتهم، وتحوّل معظم اهتمامهم نحو القضايا التي تحقق المكاسب».

استعرضت في مقالات سابقة شواهد على أن العديد من النوّاب المطالبين بمعالجة مأساة «البدون»، هم في الواقع حاضنات ورعاة استدامة وتفاقم المأساة، لأنهم من جهة يُبالغون في رفع سقف المطالبات ومستوى الآمال لدى «البدون»، وذلك من خلال خطابات حماسيّة ومشاريع قوانين خياليّة، ثم من جهة أخرى يتخلّون في قاعة عبدالله السالم عن تلك المطالبات ومشاريع القوانين، ليتم وأدها في مقابر اللجان البرلمانية إلى جانب أخواتها التي وئدت في المجالس السابقة على مدى أكثر من نصف قرن.

وفي هذا المقال، أستشهد بالاستجواب الذي قدّمه – في الشهر الماضي – ثلاثة نوّاب هم د. حسن جوهر وخالد العتيبي ومهند الساير إلى رئيس الحكومة. هذا الاستجواب لم يتضمّن محور «البدون» رغم أن النوّاب الثلاثة من مناصري حقوق «البدون»، كما أنهم أعلنوا صراحة تأييدهم للمسودّة التي أعدّتها جمعية المحامين الكويتية لمقترح قانون في شأن إنهاء أوضاع «البدون». بل لم يتضمن الاستجواب محور «البدون» بالرغم من حاجته الماسّة إلى المحور.

فديباجة صحيفة الاستجواب تشير إلى وجود أربعة محاور في الاستجواب، ولكنها خلت من محور رابع. كما أن الاستجواب كان مشوباً بشبهات عدم الدستورية، وفق مبدأ فصل السلطات الدستوري ووفق ما جاء في أحكام سابقة من المحكمة الدستورية، كشبهة مساءلة رئيس الوزراء في غير اختصاصاته. أضف إلى ذلك، أنه تبيّن في جلسة الاستجواب عدم حصول أو وقوع بعض المخالفات وحالات التقصير التي وردت في صحيفة الاستجواب. ولذلك الحكومة كانت مطمئنة باجتيازها الاستجواب، إلا أن الموازين تغيّرت والنتيجة انقلبت بعد الجلسة، بسبب الضغط الإعلامي المكثّف الذي تعرّض له بعض النوّاب عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

الشاهد أن صحيفة الاستجواب كانت بحاجة إلى تعزيزها بمحور دستوري خالص مبني على مخالفات موثّقة، كمحور حقوق «البدون». فمن جانب، الانتهاكات في ملف حقوق «البدون» ثابتة بالشواهد الحيّة والأدلة الدامغة. ومن جانب آخر، سبق أن تم استجواب رئيس الوزراء السابق الشيخ جابر المبارك حول محور فشل الحكومة في معالجة مشكلة «البدون»، من دون أن تطعن الحكومة في دستوريته.

بل إن الخطاب الحكومي الرسمي في شأن قضية «البدون»، الذي تؤكّد فيه وجود عشرات الآلاف من الدخلاء بين «البدون»، وافتقارها لخطة عمليّة لتصحيح بيانات وأوضاع الدخلاء، كافٍ لاستجواب رئيسها.

في الختام، أدعو «البدون» إلى الإضراب عن الاستماع إلى وعود النوّاب «الورديّة»، وإلى تبني الواقعية في معالجة أوضاعهم المأسويّة... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».

abdnakhi@yahoo.com

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي