pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رأي قلمي

مأزق الأخلاق...!

إن كثيراً من مكارم الأخلاق لا يخضع للمناقشة، ولا يقبل الجدل، بل أصبح جزءاً من وصايا عالمية تتناقلها الأجيال في كل زمان ومكان مما يمنح المجتمع الاستقرار والاستمرار.

ولكن هذا لا يعني بحالة من الأحوال أن الأخلاق تستطيع أن تنجو من المحن وأنواع التراجع، فهناك عدة أمور تعرّض الأخلاق الشخصية والاجتماعية للتضاؤل والانهيار.

ينظر الناس إلى العديد من القيم والأخلاق على أنها أمور نسبية، فالإحسان والشجاعة والنظافة والاحترام والتواضع والالتزام... تختلف في درجتها وشدتها ورمزيتها بين شخص وآخر.

بحسب ما غرس وتربى عليه في الطفولة.

والقيم إذا تسلط عليها العقل بتقسيماته واحتمالاته وموازناته، أمكن العقل أن يوفر للناس تأويلات تجعلهم في حل من الالتزام بالكثير منها، وهذا ما نشاهده اليوم، فنحن على استعداد أن نقول عن موقف أو مشهد تمثيلي جريء ولا أخلاقي إن ظرف صاحبه صعب، أو الفن رسالة، ولإيصال هذه الرسالة لا بد من تمثيل مشهد يتجرّد من القيم المجتمعية والأخلاق الشرعية.

والحقيقة أنه لا يُمكن تصنيف درجة سمو الأخلاق ورمزيتها من خلال نظام أو قانون، وإنما الأعراف والثقافة العامة هي التي تتولى ذلك، وهي تختلف بين المجتمعات والعصور خلافاً بيّناً.

ومن الأمور التي تجعل الممثل يمثل مشهداً جريئاً لا أخلاقياً ويعرّض أخلاقه الشخصية والاجتماعية للتضاؤل والانهيار، هو أن كل مجتمع يرتب مجموعة القيم التي يؤمن بها في سلم خاص يوضح مراتبية تلك القيم ومقدار الأهمية التي يوليها لكل منها، وهذا الترتيب لا يأخذ شكلاً نهائياً ولا مستقراً، فنظراً لاختلاف الظروف ومحدودية الطاقات وقبل ذلك تكلفة الالتزام بالقيم، والتي لا يستطيع الالتزام بها كل مَنْ يصدر عنه سلوك لا أخلاقي أو يمثل مشهداً هدّاماً ماجناً، فهو جاهل بمدى تجذرها في الثقافة المجتمعية، ولا يعلم بأن القيم والمثل التي يؤمن بها هي سلسلة من التوازنات العميقة والسطحية وعليه أن ينزلها على الواقع الذي يعيشه.

وما يجعل هذا وذاك من ممارسة سلوك لا أخلاقي أو تمثيل مشهد جريء لا يمثل ولا يعكس القيم الحقيقية للمجتمع، أن كثيراً من القيم يتعلّق بالسلوك الفردي للإنسان، وبما أنها قابلة لأشكال من التأويل والتجاوز والتقدير المختلف فإن فاعلية كثير من القيم ومدى قدرتها على صبغ السلوك الشخصي بصباغها يتوقف على نوعية الإطار المرجعي الذي يستمد المجتمع منه قيمه الكبرى.

ومأزق الأخلاق الذي نعيشه اليوم يعود إلى أن الأعراف والتقاليد لا تستطيع أن تجعل من نفسها إطاراً مرجعياً للأخلاق، والممارسات الفردية التي يقوم بها الإنسان لا تمثل إلا نفسه ولا تعكس قيم وأخلاق المجتمع حتى وأن مثّل دوراً يعتقد أنه يجسّد قيم المجتمع، ويدعي ويبرر أداءه السيئ لانعكاس القيم بأنه يعالج مشكلة أو ظاهرة من مشكلات وظواهر المجتمع.

نحن في محنة حقيقية لكل القيم والمثل التي يعتنقها مَنْ يمثل دوراً جريئاً يركز على أنواع القصور القيمي بشكل عام في المجال الأخلاقي والاجتماعي والمجالات الأخرى، وهو محسوب على المجتمع الكويتي، لا نبالي بكاتب القصة، ولا بأيّ قناة عرضت، المهم لدينا هل ما عُرض هو ظاهرة حقيقية في المجتمع الكويتي؟! أم حالات فردية محسوبة علينا ونحن بريئون منها كبراءة الذئب من دم يوسف؟! ثبت أن الأزمة الأخلاقية تستمد الكثير من عواملها ومسبباتها من الأزمات الحياتية الأخرى التي عاشها الإنسان، لذا كل مَنْ ارتضى على نفسه أن يمثل مشهداً يسيء للمجتمع الكويتي فهو يعيش أزمة أخلاقية استمدها من أزماته الحياتية، وجاء ليفرغها في غير موضعها.

إن الإسلام يضمن الحرية الفردية، فلا تكون هذه الحرية لممارسة المواقف اللاأخلاقية والسلوكات السيئة سواءً صدرت من أفراد المجتمع أو من ممثلين قاموا بتمثيل أدوار يدّعون أنها تعكس واقع المجتمع الكويتي، فهي تحدث الارتباك في وعي المجتمع بمنظومته الخلقية.

وأخيراً، فإن التحلي بالأخلاق الفاضلة هو عمل فردي - جماعي، وإن المتابعة والتضحية شرطان دائمان لدوام ذلك.

M.alwohaib@gmail.com

@mona_alwohaib

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي