pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رؤية ورأي

الرقابة الشعبية واستجواب الخالد

لم أجد دراسة منشورة تم فيها تحليل وتقييم أداء مجالس الأمة، على مدى العقدين الأخيرين، وفق معايير وأدوات قياس موضوعية. ولكنني أكاد أجزم أنه لو تم تنفيذ الدراسة من قِبل جهة علمية معتبرة فسوف يكون ترتيب المجلس الحالي، وفق معيار احترام الدستور واللائحة الداخلية، متأخراً جداً، إن لم يكن الأخير. فإلى جانب فضيحة «الباركود» والخطيئة الدستورية بتأجيل الاستجوابات المزمع تقديمها لرئيس الوزراء، عدد وجسامة خروقات المجلس الحالي للدستور واللائحة حتى تاريخ المقال تفوق إجمالي خروقات مجموعة من المجالس التشريعية، ومن ضمنها مجلس 2006 الذي شرّع قانون المطبوعات والنشر وقانون المرئي والمسموع.

لست بصدد تحديد المسؤولين عن هذا الانحراف النيابي الخطير، لأن الاستقطاب بين الأطراف النيابية المتواجهة صاخب، يقمع صوت العقل ويتجاهل نداءات الوطن، ويحرم السلطتين التشريعية والتنفيذية من الحد الأدنى من «التعاون بين السلطات» الذي يقوم عليه نظام الحكم في الكويت وفق المادة (50) من الدستور.

ما يهمني في هذا المقال هو تسليط الضوء على حالة الهُيَام السياسي في الرأي العام المحلّي، التي حولت الرقابة الشعبية من وسيلة لصون ديموقراطيتنا الناشئة إلى معول لهدم أركانها. فالرأي العام المحلّي غلب عليه «رأي عوام» وفق تعبير الدكتور محمد الرميحي في مقاله المعنون «الكويت المرحلة الصعبة» الذي نُشر قبل أيام في جريدة «الشرق الأوسط». بل إن الرأي العام المحلّي صاغته وباتت تشكّله تصريحات سياسيين امتهنوا واحترفوا التنمّر على الحكومة ودغدغة مشاعر جمهورهم.

أتفق مع الدكتور الرميحي في أن مغادرة الشيخ صباح الخالد ليست الحل. بل أزيد عليه، بالقول أنها سقطة أخرى – إلى جانب اللّاءات الأربعة - سوف تفاقم وتعمّق صعوبة المرحلة، لأسباب عدّة، ولكنني سأكتفي بالإشارة إلى اثنين منها. الأول هو إصرار النوّاب المستجوبين على ابتداع حق مساءلة رئيس الحكومة في صلاحيّات دستورية حصريّة لسمو الأمير. حيث تضمّن الاستجواب الأخير المرسوم الأميري بتأجيل اجتماع مجلس الأمة لمدّة شهر في دور الانعقاد السابق. وأما السبب الثاني، فهو التهديد الذي وجّهه أحد المستجوبين – في مرافعته الثانية – إلى الخالد وآخرين، بالرجوع إلى ساحة الإرادة وتكرار تجربة رئيس الوزراء الأسبق الشيخ ناصر المحمد.

وبالنسبة لسبل الخروج من المرحلة الصعبة، أتفق أيضاً مع الرميحي في أن «الحل للأزمة في تسريع النظر في تغيير آلية العمل السياسي برمته ومحاولة ترقيته إلى مكان يساير المتغيرات الحادثة في الداخل والخارج»، إلا أنني لا أتفق معه في أن الخروج يفترض أن يبدأ بالنظر في تغيير الدوائر الانتخابية، لأنّ تغيير الدوائر لم يكن مخرجاً ناجعاً في المراحل السابقة لمعالجة تشوّهات مزمنة في العمل السياسي. ولأنّ خيار البدء بتغيير الدوائر يتجاهل أولوية، بل ضرورة إصلاح الرقابة الشعبية.

لذلك، أدعو الحكومة إلى تبنّي مشروع متكامل لتقويم الرقابة الشعبية عبر الجهات الحكوميّة المعنية بالثقافة المجتمعيّة، لكي يعود الشعب إلى دوره الإيجابي في ترشيد العمل النيابي. وإلا سوف يستمر الهُيَام السياسي المجتمعي في تحصين الغوغائية النيابية، بتأييد التعسّف في استخدام الأدوات الدستورية، وتقبّل ضم محاور غير دستورية في استجوابات، واستحسان إدراج مخالفات وهميّة في محاورها.

... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».

abdnakhi@yahoo.com

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي