pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

كلمة صدق

مرفّهون ضد الرفاه

أقرّت الحكومة الألمانية أخيراً حزمة من الإجراءات لتخفيف ارتفاع الأسعار عن المواطنين، وتشمل منحاً للعاملين تصل إلى ثلاثمئة يورو، ومئتي يورو لمتلقي الإعانات الاجتماعية، ومئة يورو لكل طفل، ودعماً مالياً للوقود.

كذلك هناك دول غربية متطورة خصوصاً من الدول الاسكندنافية ما توافر سبل الرفاه للمواطن، ما دام الحال المالي للدولة يسمح بذلك، لدرجة أن بعضاً من هذه الدول المرفهة يخالف أحياناً آليات ونظريات الاقتصاد الرأسمالي التي تدور في قطبه لينعم مواطنوه من فائض ثروات بلادهم بلا تنظير اقتصادي مترف.

إلا هنا في الكويت، التي تعيش منذ عقود بنعم بما حباها الله من ثروات من الذهب الأسود، يمُن بعض المرفهين فيها ويعترضون على كل قانون أو خطة أو عطية تمنح بعضاً من الرفاه للمواطنين، حتى طفح الكيل بالبعض من أصحاب الدخل المحدود والمتوسط وهم يشاهدون هذا البون الطبقي الاخذ بالازدياد، مدعماً أحيانا بتصريحات استفزازية من مرفهين يعيشون في حالة عداء مع الرفاه للجميع.

عندما يكون هناك حديث لمنحة للمتقاعدين من أرباح مؤسستهم تسمع كلاماً عن عجز اكتواري، مع أن العجز الاكتواري متلازم لمؤسسات التأمينات الاجتماعية بشكل عام، وإذا كان هناك توجه لدعم ربة المنزل عبر اعطائها معاشاً دعماً لها لدورها الأسري والاجتماعي الراقي في تهيئة نشء صالح من الأبناء بدل الاعتماد على الخدم والسواق، قالوا هذا تحجيم للمرأة وحد من طاقاتها في العمل في خارج المنزل.

فليتحدث هذا المقال بكل صراحة ومن دون ديبلوماسية ومجاملة بلسان المواطن الكويتي البسيط، الذي بدأ يشعر بالفرز الطبقي الآخذ بالاتساع في مجتمع صغير، كان التاجر فيه بجانب الحرفي، وكانت تجارة التاجر غير معقدة وبسيطة بساطة المجتمع الكويتي الفقير نسبياً.

حتى إذا ما انفجرت الأرض بخيراتها من النفط تحول البعض إلى المناقصات المليونية وصارت آلاف الروبيات مليارات من الدنانير، وقامت ماكينتهم الإعلامية تطارد المواطن البسيط في خيرات بلده، حتى أخذ الوضع مع الزمن يخلق طبقة متوسطة الدخل مضغوطة لتتحول عبر الديون إلى طبقة مدينة محملة بالقروض والأعباء المالية في مقابل بروز طبقة ارستقراطية تتعاظم ثروتها.

هذه الطبقة الارستقراطية إذا كانت في الوزارة سيطرت على المناصب القيادية، وكذلك هي في القطاع النفطي وفي الهيئات والمؤسسات المالية للدولة، وصارت تضع البونصات والمكافأة السنوية على مقاس المناصب التي تتولاها.

فزاحمت التكنوقراط من الكادحين وأصبحت تظن فعلاً أن المناصب حكر لها، فأصبحت المناصب محلاً للتخطيط على مزاجها ووفق مصالحها وليس وفق مصلحة البلد، لذلك عم الخراب والفساد الواضح في مرافق كثيرة من الدولة وانعكس ذلك على البناء والتنظيم والشوارع وحتى الرياضة.

هذه الطبقة لم تكتف في تقليد أولادها أعلى المناصب، بل زجت حتى بناتها عبر وساطاتها في المناصب العالية تحت مسميات براقة مثل تمكين المرأة الكويتية. هذه الفئة وإن كانت كويتية إلا أنها لم تعد تشعر بما يشعر به المواطن فهي لم تعد تأكل كما يأكل ولا تسكن كما يسكن، ولا تتجول بالأسواق والجمعيات للتبضع، فالخادمة والسائق هما من يقومان بالمهمة، لذلك هذه الفئة لم تعد ترى ما يدور حولها في البلد وفي الشارع ولا تتأثر به.

هي لا تقف في طوابير المراجعات الحكومية، ولا يقوم الرجل الستيني عندها بحمل ملف مليء بالأوراق لتخليص معاملات إقامة الخادمة في زحمة الفحص الطبي في الشويخ وفي شبرات الطباعة المتهالكة عند مراكز خدمة المواطن. هي لا تقف في طوابير للفحص الفني لتجديد دفتر السيارة أو في المسح البحري لتجديد دفتر قارب الصيد، فهذه كلها أمور سهلة تتم لها بالواسطة ويبقى العناء للمواطن العادي.

هؤلاء يرون الغرب فقط عندما يذكرون الضرائب وساعات العمل الطويلة، هم لا يتذكرون أن في الغرب بالرغم من نفاقه إلا أن فيه وزيراً للنقل يتجه إلى مقر عمله بدراجة هوائية أو وسيلة نقل عمومية.

لكن مرفهي الكويت أنستهم البلايين التي جنوها بالحظوة في عصر النفط أخيهم المواطن الكويتي البسيط، فأصبحوا لا يرون في هذا الوطن الجميل إلا نوط الدينار الأحمر. قد تكون هذه المقالة قاسية بعض الشيء وتفتقر إلى المجاملة، لكن في بعض المنعطفات تأتي مهمة الكاتب الصحافي أن يبرز الحقيقة، وتأتي مهمة الصحيفة لتكون مرآة الأمة.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي