pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

قيم ومبادئ

حتى فشلنا ديموقراطي؟

انتزُعت قداسة الملك وهو مصدر الحكومة المستبدة وأُعطيت لأقطاب المعارضة فلا يُسألون عما كانوا يعملون؟ فأصبحت سيادة الشعب حقاً مقدساً مرة أخرى ومعه مصادر السلطات؟ لا بيد الصوامع والكهان وتغير النظام القديم ولم يتغير قالبه الذي صنعته العادات المتأصلة والمصالح المتشعبة والعقائد الموروثة الكامنة في النفوس، هذا ما فعله الأوروبيون بدولة بيزنطة، وهو عين ما نفعله اليوم مع غطاء الديموقراطية! وربما بدأت هذه القداسة الشعبية على سبيل المجاز في التعبير يلجأ إليها عادة دعاة النظام الحديث للمقابلة بين أساس الحكومة الغابرة وأساس الحكومة الحاضرة! فأصحبت هذه القداسة الحديثة عقيدة في الضمير يشوبها من الإبهام كل ما يشوب العقائد التي تستعصي على متناول العقول السليمة.

يُحدثني أحد الأصدقاء المقربين عن رجل كبير في السن من أحد رعايا الدول العربية يقول له «لا تغتروا بالديموقراطية فنحن أول من طالب بها وتزعمنا الثورات في بلادنا ضد الملكية ولكن انظر الى ماذا وصلنا اليوم؟».

وبناء عليه، أقول لو علمت الشعوب أن حركات الشعوب غير مقدسة ولا منزهة عن عيوب الطبيعة البشرية لكان هذا مانعاً من وقوع هذه الثورات المتلاحقة وكان هذا واقياً للأنظمة العتيقة من التداعي والسقوط! فلم تنقضِ على الديموقراطية سنوات حتى خيبت آمال الحالمين فيها؟ وخيبت آمال أولئك المظلومين الذين صوروا زمانها المترقب في صورة الفردوس الأرضي أو العصر الذهبي الذي تغنى به الشعراء وتحدثت به الأساطير، فلا ظلم ولا إجحاف ولا تمييز بين القوي والضعيف أو القريب والبعيد! وإذا كان كل هذا منتظراً من الديموقراطية عند الكتل السياسية والإسلام السياسي تحديداً، فلا جرم يخيب فيها الظن ونحكم عليها بالفشل بعد أول صدمة مع الواقع السياسي والثقافي مع عثرات التجربة في - سنة أولى قيادة - وإذا حصلنا جدلاً على حكومة شعبية منتخبة حتماً فلن يكون لها حجاب من الفخامة والسلطنة مثل الحجاب الذي كانوا يسترون به عيوب الحكومات المستبدة، ويتعاون فيها الكهان والبلاطيون على التمويه والتزويق، وخليق بهذه الحكومات أن تسقط فريسة للذباب الإلكتروني والثراثرة والفضوليين، وما زال فئات من الناس المستبدين - حزبياً - الطامعين في رجعة الحكم القديم يسعون سعيهم سراً وجهراً لتشويه كل نظام غير نظامهم وتأليب الناقمين على الحكم الحديث في كل مناسبة.

والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها في كل حكم يوجد راضين وناقمين ونحن نعيش في زمن تقليب الأمور وكشف المستور فتجد كثرة الـ(فلورز) الباحثين عن أحدث الآراء وأغرب الأخبار وأشنع الأسرار، فإذا مضى نصف قرن من الزمان في مدح الديموقراطية ثم يخرج من ينتقدها نقداً لاذعاً فلن يعدم ملايين السامعين والمتابعين من طلاب أزياء الشهرة في كل مجال وفن! وهؤلاء اتباع كل ناعق إن الإيمان بقداسة الديموقراطية كالإيمان بقداسة الحكم الديكتاتوري المطلق، ولو ذهبنا نحصي الحروب التي أريقت فيها دماء الألوف من المحاربين والمدنيين لخداع الشعوب واستمالتها أو أحصينا الثورات والاغتيالات التي شجرت بين الحكام والرعايا من أجل المظاهر والشعارات والمنازعات الصبيانية والمراهقة السياسية، أو لو أحصينا الجرائم والدسائس التي انغمس فيها طلاب الحظوة في الحكم أو أعوان الطواغيت، لكان في بعض ذلك شاهد على حقيقة من تنفعهم غفلة الجماهير؟ ومن يضرهم وعي الجماهير! حقاً، يمكنني أن أخلص القول بأن الشعوب لا تصلح للديموقراطية، وهذه الحقيقة دليل على أن هذا النهج يمثل درجة عالية من الوعي يجب أن تتوجه إليه آمال المصلحين وطلاب الكمال.

يقول أحد الباحثين في التراث القديم (إن الحكومة الشعبية كانت هي الدور الأخير من أدوار الدول في التاريخ القديم).

وما زال الغرب يعتبر الشرق الأوسط بلاد الحكم المطلق، أو الحكم الديكتاتوري، ولكن الأسباب التي أدت إلى ظهور هذا النوع من الحكم ليست خاصة في بلاد البحر الأبيض ولا بطبيعته الإقليمية أو الجنسية إذ هي أسباب يمكن أن توجد في أي بلد آخر وفي ظل أي حكومة مثلما حدث في إيطاليا وإسبانيا وألمانيا وفرنسا ويحدث اليوم في أوكرانيا! ختاماً: جاء الإسلام بمنهج شامل للحكم خالف كل الديموقراطيات الأخرى في نشأتها وغاياتها ووسائلها، فخرج بصورة الحكم من المحلية إلى الصبغة الإنسانية والكونية... فلا سيادة لنسب ولا سيادة لمال ولا لطائفة من الناس، ولكنهم جميعاً كالبنيان المرصوص ويقوم على التعاون والمؤازرة لا على التنازع والملاحاة؟

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي