pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

كلمة صدق

من يستطيع أن يقول لا؟

أزمة أوروبا في أوكرانيا لا تحتويها سطور قليلة، وهي صفحة جديدة تم فتحها وفتح معها التاريخ والجغرافيا وأحداث القرون الماضية، فقبل عقد من الزمان من كان يتصور أن أوروبا تدخل في صراع مفتوح الأبواب لكل الاحتمالات، وكيف تنجرف بسرعة أوروبا الخضراء، أوروبا الرفاه، أوروبا التكنولوجيا والاقتصاد والإعلام إلى جرف لا يرى قاعه؟

في هذه السطور سيتم التركيز على جزء صغير من هذا الملف الكبير، الذي تم فتحه ولا هو معروف كيف ومتى سيتم إغلاقه!

كان البعض يعتقد بنظرية المؤامرة، ويقول هذا العالم تتحكم به قوى كبرى ظاهرة وخفية، تدير البنوك والمؤسسات المالية والمصارف الدولية وكروت الائتمان، وكبرى شركات الإعلام والدعاية والتلفزيون، ومصانع السيارات والطائرات والتكنولوجيا ووسائل الإعلام التكنولوجية الحديثة.

البعض الآخر يسخف نظرية المؤامرة، ويقول إنه عالم لا يديره أحد، بل هو نظام تحركه الحريات الفردية وحرية الإعلام والتنقل والتجارة المفتوحة والعالم القرية الصغيرة، الذي تجمعه الشبكة العنكبوتية وتنتقل فيه الأفكار وتتلاقح في آراء المجتمعات نحو مزيد من الانفتاح للجميع، نحو حكم الشعوب لا الأنظمة.

لكن ما حدث في أزمة أوكرانيا هو أقرب لكلام المهووسين بنظرية المؤامرة، ففي هذا العالم تحدث حروب وغزوات وضربات جوية، خصوصاً من قبل الدول الكبرى، فاجتياح القوات الروسية لأوكرانيا حدث كبير جداً، لكنه ليس غريباً في السلوك الدولي وفي صراع الأمم.

لكن الغريب واللافت بروز مراكز ثقل عالمية كثيرة كان البعض يعتقدها متفرقة وحرة تدير العالم، لكن تبين أن مراكز الثقل هذه تخضع لمنظومة واحدة تدير العالم بعناوين مختلفة.

ففي بضعة أيام بعد دخول القوات الروسية لأوكرانيا، تحركت المنظمات الرياضية وانتفضت وقاطعت كل ما هو روسي، وتحركت شركات البريد السريع وعمالقة الشحن والتوصيل، وشركات الحاويات الكبرى مقاطعة روسيا.

وغادرت شركات الطاقة مثل «اكسون» و«شل» و«بي بي»، وباع البعض حصصهم هناك في بلد مهم للطاقة، في عالم نهم في استهلاكها.

كما قاطعت روسيا في ظرف أيام شركات المنسوجات مثل «اديداس» و«بوما» و«ايكيا»، كذلك شركات السيارات والتجزئة مثل «فولكس واغن» و«بي ام دبليو» و«تويوتا» و«هوندا» وغيرها. وقاطعتهم أيضاً شركات الملاحة الجوية كـ«بوينغ» و«ايرباص» وشركات التقنية والإعلام التكنولوجي والدفع الآلي والترويح، كـ «نتفلكس» و«ديزني لاند»، من دون نسيان عزل الرياضيين الروس والرياضة الروسية عن الأنشطة الرياضية العالمية، كل هذه العقوبات تم اتخاذها في أيام قليلة.

كذلك في دول العالم الحر وحرية الرأي، لم تسلم القنوات التلفزيونية الروسية ووسائل الإعلام القريبة من وجهة النظر الروسية، فالعالم الحر يسيطر على فضاء الإعلام، ولا يحب كما قال «سماع أكاذيب القنوات ووسائل الإعلام الروسية».

هنا ليس محل نقاش من المتسبب بالأزمة، وهل اجتياح روسيا لأوكرانيا مستحق أم لا؟، فهذا نقاشه في محل آخر في المستقبل، لكن هنا سؤال يطرح نفسه بقوة، إذا كانت هذه ردة فعل المتحكمين في مفاتيح العالم مع روسيا العملاقة في حجمها الجغرافي، الكبرى في تسليحها التقليدي، الكاسرة في سلاحها النووي، فكيف تستطيع الدول الفقيرة والصغيرة والضعيفة والمعتمدة على الغرب، كيف لها أن تقول كلمة لا، أمام من يسمي نفسه العالم الحر؟!

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي