pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

قيم ومبادئ

أوروبا تودّع الرفاه

انتهى أو اقترب العصر الذي يسود فيه الرجل الأبيض، وبات ارتهان الشرق الأوسط تحت وطأة إسرائيل ليس قانوناً من قوانين الطبيعة الثابتة، وها هي أوروبا وأميركا واستراليا وكندا تواجه أياماً صعبة، ولن تكون كما كانت خلال الأربعة قرون الماضية؟

كثيرة تلك التقارير الجيوسياسية والتحاليل في العلوم الاجتماعية تشير إلى أن هناك شيئاً ما يسير بشكل خاطئ وإلا لما أصبحت أميركا وأوروبا بهذا الحرج أيام «كورونا»، وعلى الرغم من القوة المادية والعسكرية الهائلة إلا أن النقص والخوف ما زال هو الهاجس وهذا ما لا يعوضه السياسيون، أو العلماء المختصون مهما كثرت مخترعاتهم، أو القنابل النووية مهما بلغ مداها في الدمار الشامل فلن تسد هذه الفجوة التي يشعر بها الجميع، فلم تعُد الحضارة الصناعية تكفي لوحدها للاستقرار البشري ولابد من البحث عن فكرة أخرى للتقدم البشري!

في السابق حاولوا جعل الرجل الأبيض مقياساً لكل شيء، ولكن الواقع اليوم عكس ذلك تماماً حيث أصبح الرجل الأبيض غريباً في العالم الافتراضي الذي ابتدعه، فلم يعد بمقدوره تنظيم شؤون دنياه بنفسه لأنه لا يملك معرفة حقيقية بطبيعته البشرية الملوثة، والسبب بسيط وهو عدم استطاعتهم التمييز بين الممنوع والمشروع حتى نقضوا قوانين الطبيعة وقوانين الإنسانية التي طالما بشّروا بها العالم؟

لقد كان دين الكنيسة ديناً فاسداً لأنه من صنع قداسة البابا والقساوسة... دين لا يصلح للحياة، وها هي أوروبا تنسلخ منه مجدّداً مثلما فعلت في العصور الوسطى. أين القيم التي تؤمّن العدل السياسي والعدل الاجتماعي والعدل الاقتصادي والذي يضمن لأوروبا الاستمرار بدولة الرفاه؟

لن تستطيع أوروبا الاستمرار في الحياة على هذه الصورة. صحيح أن أوروبا تسيطر اليوم بقوتها السياسية والعسكرية والعلمية والاقتصادية والتكنولوجية على معظم بلدان العالم، وصحيح أيضاً أنها تجر البشرية معها إلى الهاوية لجهة التجارب العلمية والاجتماعية، ولكن الأعراف أثبتت أنه لا يوجد مصدر حقيقي للقيم والسلام غير الدين الصحيح وهذا ما لا تعرف أوروبا له طريقاً!

ومع ذلك، هناك من يزايد عندنا في بلاد بني يعرب فقد قالوا العقل أو الطبيعة أو النفس البشرية أو المعرفة أو حتى الفلسفة كفيلة بإخراجنا من هذا التيه؟ ولكن إلى ماذا وصلوا وماذا تحصلوا بعد عناء السير؟ ما وجدوا غير القلق والضياع والحيرة والأمراض النفسية والانتحار والهبوط الخُلقي والروحي في كل ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية على مستوى الأفراد والجماعات والقوميات الأوروبية، وتحوّل الإنسان إلى آلة للإنتاج المادي والكدح في النهار وتحوّل إلى حيوان هائج مسعور في الليل يبحث عن مواخير العهر والرذائل؟ وهذه التجربة تكرّر على مدى التاريخ في جميع الأمم إلا أنها باتت في الرجل الأبيض أشد وضوحاً... رئيسة المفوضية الأوروبية اورسولا فون - تقول - «التغير ليس أمراً ممكنا فحسب ولكنّه يحدث بالفعل في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي».

إذاً، هذه هي الليبرالية المتوحشة التي يقودها شياطين الأرض ويريدون أن يكون لهم السلطان والجبروت فيفرضون أنفسهم بالإرهاب وينصّبون أنفسهم مكان الإله فيفرضون التشريع في الأمم المتحدة ومجلس الأمن وفيينا حالياً وهم الذين يعاقبون كلّ مَن يخرج عن بيت الطاعة!

عبثاً يحاول الاتحاد الأوروبي مغازلة الاتحاد الأفريقي بتجاهل تاريخه الدموي معه وعنصرية كيب تاون(!) المعاصر.

وقبل الحديث عن العلاقات التجارية يتعيّن على أوروبا أن تظهر قدرتها على المساهمة في السلام العالمي والحكم الرشيد في البلاد الأفريقية التي يفتقر نصف سكانها إلى الكهرباء والماء الصالح للشرب، بعد فترة استعمار زادت على قرن من الزمان تضاعف فيه الشقاء الأفريقي بسبب الجينات الشقراء عند الرجل الأبيض، والعنجهية البُرجوازية والحقيقة التي لا يمكن القفز عليها أن أوروبا باتت اليوم في مواجهة قوى عالمية مختلفة عن التقليدية في أساليبها وأجنداتها تمام الاختلاف عن أساليب أوروبا «الشمطاء»، ولن يتورع العديد من هذه القوى عن استخدام حملات التضليل وأساليب الحرب الهجينة لتقويض النفوذ الأوروبي المتآكل وعليه ودّعت أوروبا أيام الزمن الجميل.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي