pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رأي قلمي

ليس طارئاً ولا مُستغرباً...!

وجود الفساد في حياة الأمم ليس طارئاً ولا مُستغرباً، فما دام المعروض من المال والنفوذ والسلطة والشهرة دائماً هو أقل من المطلوب، فإن لنا أن نتوقع من كثير من الناس أن يسعوا إلى الوصول إلى ما تتوق أنفسهم إليه بطرق مشروعة، وغير مشروعة. قد نختلف بتعريف الفساد، ولكن نتفق بأن الفساد شيءٌ موجود في كل البلدان وينخر في المجتمعات كما ينخر السوس الخشب، الفساد بتعريفه البسيط هو إساءة استعمال السلطة أو الوظيفة العامة أو الخاصة من أجل الاستحواذ على شيء غير مشروع.

وكلنا يعلم أن للفساد صوراً كثيرة ومكررة في غالبية المجتمعات منها: توظيف غير الأكفاء بسبب الرشوة أو القرابة، دفع الرشوة والعمولة المباشرة إلى الموظفين في الحكومة والقطاع الخاص لتسهيل عقد الصفقات وتسهيل الإجراءات لرجال الأعمال والشركات الأجنبية، وضع اليد على المال العام وتحويله إلى ملكية خاصة.

وما يحفّز ويشجع على وجود الفساد في الحقيقة هو غياب دولة المؤسسات وعدم توزيع السلطات بشكل مناسب، غموض النظم ونقص الشفافية وصعوبة الحصول على المعلومات، أسباب مهمة لشيوع الفساد، هذه الأمور كلها وغيرها تحفّز على الفساد وتسهّل سُبله. إن التقارير الصادرة عن منظمة الشفافية العالمية في برلين، تثبت بأن أكثر من 90 ٪ من دول العالم الإسلامي تحتاج إلى أن تعمل حكوماتها ومجتمعاتها على إصلاح نظمها المختلفة من أجل التقليل من الفساد المستشري في كل مكان.

وجود الفساد يؤدي إلى الفوارق الطبقية الواسعة حيث تتآكل الطبقة الوسطى، وينقسم المجتمع إلى قسمين: شريحة كبيرة من الفقراء والمعوزين وشريحة صغيرة من الأثرياء المتخمين، وهذا يوجد خللاً أخلاقياً واجتماعياً واسع النطاق، يؤدي الفساد إلى تدني الجودة والكفاءة في البنى التحتية المختلفة، وذلك بسبب الرشاوى التي تُدفع للمراقبين الحكوميين، والفساد يحد من تدفق الاستثمارات الأجنبية ويحرم البلد بذلك من نقل التقنية والخبرات الإدارية، ومن إتاحة فرص عمل كبيرة للأجيال الجديدة.

مشكلة انتشار الفساد من أكثر المشكلات انتشاراً وتعقيداً على مستوى العالم، إذ إن للفساد دولته العميقة ومؤسساته ورجالاته وثقافته وأدواته، ولهذا طموح المجتمعات ليس القضاء عليه، وإنما إلى الحد منه، ولدينا تجارب عالمية رائدة في هذا الشأن، ولا مانع أن نستفيد منها.

ومن خلال النظر في تلك التجارب يُمكن أن نستفيد الآتي: مكافحة الفساد تحتاج وقبل كل شيء إلى إرادة سياسية، فالقائمون على الشأن السياسي هم الذين يستطيعون تشريع قوانين ونُظم فعّالة لمكافحة الفساد، وإيجاد إرادة ضبط إداري يتميز بالصرامة والمهنية.

إن جهود مكافحة الفساد لن تُفلح إلا إذا كانت جزءاً من عمل إصلاحي واسع يتناول كل أجهزة الدولة، من نحو اختيار الأكفاء أهل الأمانة والسيرة المالية النقية، ومن مثل إيجاد تشريعات تُلزم الموظفين بتقديم ما لديهم من معلومات لمَنْ يحتاج إليها من إعلاميين وباحثين وغيرهم، ومن نحو تشديد الرقابة الحكومية على الأداء الوظيفي وغير ذلك.

زيادة أجور الموظفين شيء أساسي في مكافحة الفساد، حيث إن عدم قيام المرتب بالحاجات الأساسية للموظف سوف يُشعره بمشروعية الرشوة، إذ إنه أعطى وقته للدولة، ولم تعطه كفايته. ينبغي أن تكون هيئة مكافحة الفساد مستقلة تمام الاستقلال، ويتم تعيينها من قبل البرلمان أو مجلس الشورى.

هناك إجراءات عديدة تقلل من فرص الفساد مثل التوسع في الحكومة الإلكترونية، حيث تقل الحالات التي يصل فيها المال إلى أيدي الموظفين الحكوميين، ومثل تبسيط الإجراءات الإدارية والحد من الأوراق المطلوبة لإنجاز المعاملات، ويمكن تقصير مدد التقاضي في المحاكم حيث ينبغي ألا تزيد على ستة أشهر.

لدى العالم اليوم تراكم ممتاز من الخبرة في مجال مكافحة الفساد، وتظل الاستفادة منه مرهونة بالنوايا الحسنة والإرادة السياسية الصلبة.

M.alwohaib@gmail.com

mona_alwohaib

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي