المعدل المقرّر رقابياً فتح النقاش واسعاً بين مؤيد يراه مناسباً وآخر يعتبره محجّماً للإقبال

75 مليون دينار حداً رأسمالياً أدنى لتأسيس بنك رقمي


- «المركزي» مُلزَم قانوناً بالمساواة مع المصارف التقليدية والتعديل تشريعياً يُدخله في طابور الانتظار
- معارضون: رأس المال المطلوب في بريطانيا لا يتجاوز مليون يورو
- ارتفاع رأس المال يضيق قدرة المستثمرين المتنافسين وأعدادهم
- البنوك الرقمية لن تواجه في بداية أعمالها مخاطر مماثلة للتقليدية
- مؤيدون: حجم السوق يتطلب عدم التوسع بمنح التراخيص في وقت واحد
- هياكل رأس المال تختلف من سوق لأخرى حسب أطرها المنظمة
- عندما تكون التراخيص محدودة يفتح السوق أمام أطراف فاعلة جديدة

أفادت مصادر ذات صلة لـ«الراي» بأن رأسمال البنوك الرقمية المرتقب إطلاقها في الكويت لن يقل عن 75 مليون دينار، وذلك وفقاً للشروط الرقابية التي تم الكشف عنها أخيراً.

إلى ذلك قد يبدو الخبر انتهى للبعض، لكن يصح القول إنه فتح لكثيرين، خصوصاً في القطاعين المصرفي والاستثماري، نقاشاً واسعاً حول القيمة الرأسمالية المناسبة لتأسيس بنك رقمي في الكويت، خصوصاً إذا عُلم أن رأس المال المطلوب لتأسيس هكذا كيان في بريطانيا لا يتجاوز مليون يورو، ما يقارب 346 ألف دينار؟

سبب قانوني

وتوضح الآراء التي استشرفتها «الراي» في هذا الخصوص، أن هناك من يؤيد أن تكون رؤوس أموال البنوك عموماً سواء التقليدية أو الرقمية مرتفعة، بما يزيد من حصانتها وطبقات أمانها ضد أي مخاطر قد تطرأ على أعمالها مستقبلاً، في حين يرى آخرون أن القيمة الرأسمالية المطلوبة محلياً قد تؤثر كثيراً على شهية العديد من المستثمرين النشطين في هذا القطاع.

وقبل الانتقال بتوسع إلى استعراض وجهات النظر المتباينة في هذا الخصوص، يبرز السؤال لماذا اشترط «المركزي» رأسمالاً للبنك الرقمي لا يقل عن 75 مليون دينار؟

وفي هذا الشأن، أفادت المصادر بأن هناك سبباً قانونياً دفع الناظم الرقابي لوضع هذا الحد الأدنى رأسمالياً، موضحة أن المادة (57) من القانون رقم 32 لسنة 1968 في شأن النقد وبنك الكويت المركزي والمهنة المصرفية تنص على أنه «يجب ألا يقل رأسمال أي بنك عن 75 مليون دينار».

ولفتت إلى أنه وفقاً لهذا الحد الرأسمالي، يجب أن تكون رؤوس أموال البنوك الرقمية متساوية مع الحد الأدنى لرؤوس أموال البنوك التقليدية والتجارية، وإذا كان «المركزي» يرغب في تعديل هذا الحد سواء زيادة أو خفضاً، فإن ذلك سيستوجب عليه اللجوء إلى تعديل القانون.

مسار الرقمنة

وهنا يبرز التحدي، والذي يتمثل بأن أي تعديل قانوني جديد قد يؤخر مسار إطلاق البنوك الرقمية في الكويت، فلا يعد سراً القول إنه إذا كانت قوانين بأهمية الدين العام والرهن العقاري والصكوك غير مدرجة على جدول أعمال مجلس الأمة حتى الآن، فمن الطبيعي توقع أن تعديل القانون الخاص برؤوس أموال البنوك لن يُدرج قريباً ضمن الأولويات التشريعية، ومن ثم ستتأخر حكماً جهود تسريع عمليات التحول الرقمي وتطوير القطاع المالي في البلاد تكنولوجياً.

يذكر أن محافظ بنك الكويت المركزي الدكتور محمد الهاشل، أعلن الأسبوع الماضي بدء استقبال طلبات تأسيس البنوك الرقمية وفقاً لـ3 نماذج رئيسية حتى نهاية يونيو المقبل.

وأوضحت المصادر أن التغيرات الرقمية التي طرأت عالمياً وإقليمياً تستدعي التحرك رقابياً سريعاً لمواكبة التحركات العالمية والإقليمية نحو تطوير بنية تحتية رقمية أكثر كفاءة، مع تشجيع ريادة الأعمال وخلق فرص العمل في القطاع المالي.

رقم صعب

ونوهت المصادر إلى أنه إذا كان الأهم حالياً تعزيز مساعي برنامج تطوير القطاع المالي لإرساء بنية تحتية رقمية أكثر كفاءة، وتقديم خدمات نوعية بقنوات متعددة لعملاء المؤسسات المالية، ودعم تنمية الاقتصاد الوطني وتحفيز الاستثمار، فبالتالي ستكون كلفة الانتظار لتعديل القانون وتغيير الحد الأدنى المطلوب لرأسمال البنك الرقمي سواء بزيادته أو بتخفيضه مرتفعة.

وقالت إن هذا الحد الرأسمالي الأدنى يستقيم أيضاً مع المستهدفات الرئيسية التي وضعها «المركزي» للشركات العاملة في القطاع، ودورها في تعزيز منظومة الابتكار بالخدمات المالية، وتحديد ماهية المنافسة التي ستوجدها محلياً، والقيمة المضافة التي ستقدمها للمساهمة في نضوج القطاع المالي رقمياً، مشيرة إلى أن هذا الحد لا يعني أن البنوك المرخصة مضطرة جميعاً للانطلاق منه فبعضها قد يزيد على المعدل.

في الوقت نفسه يرى البعض أن 75 مليون دينار كحد أدنى لرأسمال بنك رقمي في الكويت يشكل رقماً صعباً، على أساس أن البنوك الرقمية لن تواجه في بداية أعمالها مخاطر مماثلة للتي يمكن أن تواجهها المصارف التقليدية، بما في ذلك المخاطر التشغيلية والائتمانية. وبالتالي، فإن الانتقال إلى زيادة معدل كفاية رؤوس أموالها يحتاج إلى فترة وتوسع بالخدمات المصرفية، والمخاطر الائتمانية.

وإلى ذلك أوضحت المصادر أن هذا الحد الرأسمالي سيحدّ من قدرة العديد من المستثمرين الذين لن يكونوا مستعدين لضخ هذه السيولة، ما سيقود لتضييق دائرة المنافسين على تراخيص البنوك الرقمية، واقتصارها على الجهات الكبرى، وهنا يبدأ الفريق المؤيد لقرار «المركزي» في توضيح وجاهة موقفه، حيث أفادوا بأن الناظم الرقابي يستهدف الجهات الجادة أكثر، والتي تستطيع أن تقدم قيمة مضافة إلى هذه السوق، متوقعة عدم تجاوز التراخيص المقررة لبنوك رقمية مستقلة لـ2.

قواسم مشتركة

وذكروا أن البنوك الرقمية المرتقبة في الكويت قد تضطر للاستثمار بكثافة في اكتساب العملاء الأصغر سناً والعملاء المنقطعين مصرفياً في مسعى للحصول على حصة سوقية كبيرة، ما يجعلها في حاجة لرأسمال يعكس قدرتها على تحقيق هذا المستهدف، مع الأخذ بالاعتبار أن حجم السوق المحلي لا يسمح بأي انفلات في منح الرخص، إذ يتعين أن يراعى في ذلك حجم أعماله المرتقبة.

أما فيما يتعلق بأن العديد من الأسواق المبادرة بقطاع البنوك الرقمية، خفضت احتياجات رؤوس أموال هذه الصناعة، بيّنت المصادر بأنه إذا كان هناك بعض القواسم المشتركة بين البنوك الرقمية عالمياً، إلا أن التغييرات في هياكل رأس المال مختلفة من سوق لأخرى حسب أطرها المنظمة في هذا الشأن، وطبيعتها، لجهة حجم ونوع العمليات الأنسب، موضحة أن عدم النضج النسبي لنموذج عمل الخدمات المصرفية الرقمية، دفع الجهات التنظيمية على مستوى العالم لمنح عدد قليل من التراخيص في وقت واحد.

أما بالنسبة للحد الأدنى المقرر رأسمالياً ودوره في تضييق دائرة المنافسة، نوهت المصادر إلى أن ذلك يبدو صحيحاً نظرياً لكن من الناحية العملية عندما تكون التراخيص محدودة فإن ذلك يفتح السوق أمام أطراف فاعلة جديدة.

يذكر أنه وفقاً للدول المتقدمة في إطلاق البنوك الرقمية، يبلغ الحد الأدنى لرأس المال المدفوع في ماليزيا نحو 24.5 مليون دولار كحد أدنى خلال المرحلة التأسيسية، على أن يبلغ في نهاية السنة الخامسة 74 مليوناً.

وفي سنغافورة يبلغ الحد الأدنى لرأس المال المدفوع 111 مليوناً خلال 1- 2 سنة من التأسيس، ثم يرتفع تدريجياً إلى 1.1 مليار دولار مثل البنوك التقليدية، وفي هونغ كونغ يبلغ الحد الأدنى لرأس المال المدفوع 39 مليوناً، وفي تايوان يبلغ الحد الأدنى لرأس المال المدفوع 327 مليوناً مثل بقية البنوك، وفي بريطانيا مليون يورو أو جنيه إسترليني أيهما أعلى، وفي أبوظبي 10 ملايين دولار.

اشتراطات رقابية خاصة

تواجه البنوك الرقمية والتقليدية مخاطر مماثلة، بما في ذلك المخاطر التشغيلية والائتمانية. وبالتالي، فإن الانتقال إلى الخدمات المصرفية الرقمية يحافظ على المهمة التنظيمية الأساسية بالتركيز على المخاطر الائتمانية ومخاطر الطرف الآخر، وكفاية رأس المال، وإدارة المخاطر، والامتثال.

وعلى سبيل المثال يسمح البنك المركزي الأوروبي بالنشاط والمخاطر والرقابة والتنظيم نفسها وبالمثل ليس لدى الهيئة النقدية في سنغافورة اشتراطات رقابية خاصة للبنوك الرقمية.

ومع ذلك، في بعض الأحيان تكون هناك فروق دقيقة في التركيز على الأنشطة ونماذج التشغيل مثل المعالجة المباشرة أو تصنيف العملاء الذين لديهم تاريخ ائتماني ضئيل أو معدوم.

وقد تكون هناك أيضاً اختلافات في التركيز. فعلى سبيل المثال، تجري الهيئة النقدية في سنغافورة عمليات إشراف خارج الموقع بشكل أكثر تواتراً خلال فترة التأسيس، ويتدخل بنك نيغارا ماليزيا بتواتر أكبر أيضاً خلال الفترة الأولية، ويعفي الشركات الناشئة من اختبار الإجهاد.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي