pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

قيم ومبادئ

أسرار الدولة والأقمار الاصطناعية!

بمضي قرن من الزمان، أصبحت الهياكل الاستخباراتية الأميركية والروسية ركاماً و(خردة) في مقابل تدفق المعلومات وتلاحق الأحداث واستمرار تصاعد التحديات للمعسكر الشرقي والغربي على السواء.

الأمر الذي لم يُعد معه مقبولاً أسلوب العمل الاستخباراتي التقليدي والعمل بمعزل عن الدوائر الأخرى، إضافة إلى تعقد برامج الحماية للشبكة العنكبوتية مع ارتفاع تكاليف تطويرها، وصولاً إلى نتيجة مفادها أن الحديث حول إصلاح أجهزة الاستخبارات الأميركية والروسية مازال مثيراً للاحباط، مثلما قرر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

وبحسبة سريعة نتعرف على هذه الحقيقة وهي أن أجهزة الاستخبارات الأميركية تصدر سنوياً 50 ألف تقرير استخباراتي يشمل العالم كله، ولا يقرأه إلا عدد محدود من الضباط؟ ثم يجد طريقه إما للحفظ وإما تجده ملقى على مقعد الباص أو الـ(أندرغراوند)؟؟ فأين الخلل في كل هذا؟

يكمن الخلل عند صانعي السياسات وأجهزة الاستخبارات حين يتعاملون مع كل ملف قومي على أنه يمثل مجموعة من القضايا المنفصلة التي يمكن وضعها في صناديق بعيدة عن بعضها البعض التي تشكل في النهاية جدراناً سميكة من السرية التي استغلظت إلى درجة أنها جعلت المتخصصين في مجال الأمن القومي يعتقدون أنها أصبحت تضر أكثر مما تنفع؟

ولم يعد اليوم الاهتمام كبيراً بجمع الأسرار وحفظها ومحاولة اكتشاف ما يقوله القادة في الشرق الأوسط خلف الأبواب المغلقة (!) في ظل ثورة معلومات وأقمار اصطناعية تلتقط الصوت والصورة على مدار الساعة!

كما أن الحقيقة الأخرى التي لا يمكن تجاوزها عندنا في الكويت أننا أمام عتبات مشهد سيئ للغاية حيث تم توظيف شعار الحريات والشفافية والحوكمة من أجل إفشاء أسرار الدولة وتسريب وثائقها والمقاطع الصوتية من قبل بعض من كان يشغل مواقع متقدمة في إدارة الدولة، فأصبح ذلك طريقاً متبعاً وسنة مقروءة للمشاغبة بسبب الاقصاء أو التهميش!

لا أحد يختلف بأن لكل دولة أسرارها، وأسراراً أعمق منها، ويحتاج المطّلع عليها درجة عالية من الصدق والأمانة وهو مؤتمن عليها سواء كان مستشاراً أو صاحب سلطة، وأن يعلم أنه إذا رأى كل شيء، لا يعني هذا بالضرورة أنه يعرف كل شيء، ولا يعني كذلك أنه قادر على صنع التاريخ فإننا نعيش في عالم اليوم الذي يختلف عن عالم الأمس القريب، واليوم تعيش الكويت حالة تزايد مستمر في كل شيء في عدد السكان وفي الميزانيات وفي توارد التحديات.

كما أن رسالة الكويت تطورت مع مقتضيات كل مرحلة وتزايدت معها واجباتها ومسؤولياتها فوجب تبعاً لذلك كتمان أسرارها، ولكل عمل ومهمة خصوصيتها وأعظمها وأجدرها بالكتمان الأسرار المتعلقة بالأمن والثروات الوطنية والقضاء.

ولكن مؤسف حقاً أن يتم تداول بعض هذه الأسرار عبر وسائل التواصل الاجتماعي حتى غدت أسرارنا كتاباً مفتوحاً عابراً للقارات ومعرضاً للزوّار!

وهذا بطبيعة الحال لا يقل خطورة عن بيع المعلومات لجهات معادية!

وما أود توضيحه هنا تحديداً، أقول إن أسرار الدولة كأسرار البيوت، لا فرق بينهما من حيث وجوب الحفظ وعدم البوح بها لما يترتب عليها من آثار مدمرة مع عدم استغلالها من أجل لي الذراع أو توظيفها لأجندات خاصة لا علاقة لها بالصالح العام.

ولهذا، نجد مجلس النواب المصري استبدل المادة الخاصة بقانون العقوبات 80 (أ) في حال إفشاء أسرار الدولة حيث رفع سقف العقوبة لتصل إلى خمس سنوات حبس وغرامة خمسين ألف جنيه نظراً لتجرؤ الناس على نشر وتداول هذه الأسرار.

الخلاصة:

إذا كان إفشاء أسرار الأفراد والبيوت مذموماً فإفشاء أسرار الدولة أشدّ ذماً وأعظم جرماً، ويترتب عليه من المفاسد التي تزعزع ثواتب الأمن واستقرار المجتمع.

وهذه إحدى علامات المنافق لأنه داخل في خيانة الأمانة،و(أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن خان واذا حدث كذب واذا عاهد غدر واذا خاصم فجر).

تأملوا هذه الصفات الأربع تجدونها في معظم الحسابات الوهمية ومن يقف وراءها؟

فهل نعي هذا؟

وكم بيتا تهدم بسبب إفشاء أسراره وكم نظام تقوّض بعدما أباح المسؤولون كوامن مستودعاته؟

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي