pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

الدولار خرق سقف 33 ألفاً

«الأخضر» ينهش يباس الليرة.. والسياسة «محرقة» عيش اللبنانيين

«الأخضر» ينهش يباس الليرة
«الأخضر» ينهش يباس الليرة

- ترقُّب موجة تضخّم تُلاقي الموجة الدولارية العاتية
- تَمَدُّد الأزمة إلى الرغيف إنذار قوي لإمكان تَدَحْرُجٍ الاحتقان نحو اضطرابات أمنية

صعق الهبوط القياسي الجديد في سعر صرف الليرة جموع المقيمين في لبنان من مواطنين ونازحين، بعدما لمسوا في يومين متتاليين ملامح الارتطام الكبير الذي دأبت المؤسسات الدولية على إطلاق الانذارات المتكررة من وجوب تلافيه عبر العمل سريعاً على الحد من سرعة انحدار الأوضاع النقدية والمعيشية صوب جداره الفولاذي، في حين واظب السياسيون وأصحاب القرار على تعميق «الكساد المتعمد».

ومن دون ظهور بوادر لأي جهود وقائية من مكونات السلطات المعنية، بدت الصورة العامة غارقة في الكآبة جراء ترك الناس لمصيرهم في جبه متطلبات الحد الأدنى للعيش في موازاة التناقص الحاد لما يحوزونه في جيوبهم وتمدُّداً إلى مداخيلهم ومدخراتهم. وباتت المعادلات الموجعة واقعاً في أسواق الاستهلاك بدءاً من أسعار المحروقات التي شهدت أولى الطفرات على طريق تقديراتٍ بارتفاعاتٍ أكثر حدة في الأيام المقبلة، وليس انتهاءً بأسعار السلع والمواد التي شهدت مستويات تزيد بنسبة لا تقلّ عن 10 في المئة من سعر تداول الدولار في الأسواق الموازية.

فانفلات الدولار الى سقف 33 ألف ليرة وبقفزات سريعة راوحت بين الالف والثلاثة آلاف دفعة واحدة يومياً، كشف مستورَ الهدوء النسبي في المبادلات النقدية الذي حاول مصرف لبنان المركزي تقوية ركائزه عبر اجراءات عقابية أنذرت 188 شركة صرافة بسحب رخصها القانونية، ومن خلال الاستمرار بضخ الدولار النقدي (البنكنوت) عبر شبابيك المصارف بدل الليرة لصالح استبدال رواتب موظفي الدولة الذين تناهز أعدادهم 320 الفاً من المدنيين والعسكريين، وأيضاً مقابل الحصص الشهرية المتاحة للمودعين في البنوك.

ويبدو، بحسب مصادر مصرفية ومالية، أن كفةَ الضغوط السياسية على أسواق المبادلات النقدية أضحت راجحةً بثقلٍ نوعي موصوف بعدما تحوّلت من صفة التأثير من ضمن مجموعة عوامل، إلى مرجعية شبه منفردة لصوغ القرار في تحديد توجهات العرض والطلب، ما وضع كل التدابير الفنية والتقنية التي تلجأ اليها السلطة النقدية في مهب المواقف الصادرة عن الأطراف الفاعلة والمقررة. وما دامت هذه المؤثرات تنحو إلى الإغراق في السلبية، ستظلّ أي إجراءات وقائية عديمة المفعول حتى إشعاراتٍ سياسية مُعاكِسة لموجة التشاؤم المندفعة بتمتْرسٍ داخلي يمنع انتظامَ أعمال مؤسسات الدولة وفي مقدّمها الانعقاد الدوري لجلسات مجلس الوزراء.

وتحذّر المصادر من مغبة إخراج الاسواق النقدية تماماً من تحكُّم السلطة النقدية وسيطرتها الجزئية التي تضمن بالحد الأدنى «فرملة» التقلبات الحادة عبر دورها المتناقص في إدارة السيولة بالليرة وبالدولار. فالاحتياطات من العملات الصعبة لدى البنك المركزي، ورغم تدنيها الى نحو 12 مليار دولار، لا تزال مُجْدِيةً في استيعابٍ متدرج للكتلة النقدية بالليرة التي قاربت 50 تريليون ليرة، إنما التصرف بها في هذه الاجواء سيؤول حكماً الى تبديدها واستهلاكها في أتون الأزمات التي «أحرقت» نحو 20 مليار دولار في سنتين ونيف.

وليس مستغرَباً في ظل الوقائع القائمة على جبهة النقد، تسجيل اضطرابات واسعة النطاق في أسواق الاستهلاك. فمع كل موجة «دولارية عاتية» تتكون موجة تضخم جديدة، ويحاول المستهلكون مواكبتها بتخزين ما استطاعوا إليه من مواد وسلع يحتاجونها وعلى قدر ما تبقى في الجيوب الخاوية، بعدما ذاقوا الأمرّيْن في محطات سابقة لجهة مضاعفة الأسعار، بينما يخوض التجار وأصحاب المحلات سباقاً عكسياً عبر اللجوء إلى الاقفال أو التسعير المستند إلى ترقُّباتٍ لتراجعاتٍ إضافية في سعر الليرة.

ويشكل تَمَدُّد الأزمة إلى رغيف الخبز إنذاراً قوياً لتَدَحْرُجٍ محتمل للتأزيم الحاد بحيث تتفشى الاضطرابات إلى الأبعاد الأمنية غير المتماسكة أساساً.

فالجائع والمريض لن يقتصر تعبيرهما على الصراخ وفق كل المقاييس والتقديرات. وليس في مقدور المغلوبين على أمرهم الانتظار طويلاً بعدما استنفَدت ضروراتُ العيش كاملَ مدخراتهم وأضحت مداخيلهم أدنى من أن توازي كلفة التزود بالكهرباء أو بنزين التنقل أو مازوت التدفئة، فضلاً عن العجوزات الهائلة التي تتراكم في كل أوجه الحياة وأبواب الإنفاق.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي