pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

الزاوية الخضراء

قصة الشمع (2)

في الأفراح، حين يتلهّف الأطفال إلى اللحظة التي تطفأ فيها الأنوار فينفخ الطفل المحتفى به اللهب المتوهج على رأس شمعة منصوبة على كعكة النجاح، وهو في مخيلته الواسعة يرى تلك الشمعة مثل فنار أبراج المنارات بالقرب من الشواطئ، أو كمصباح الصواري في سفن تشق عباب البحار في الليل البهيم.

وفي الأتراح، حين تسير الجموع في ليلة باردة وهي تحمل شموع الوداع في تأبين شهيد، فيبقى نورها الدافئ يصدح بالحق مبدداً ظلمة الظلم الأصم.

تلك الشموع الحاضرة في الأفراح والأتراح، تارة تنثر الفرح، وتارة تنزف الدموع، وتارة تجمعهما معاً حين تُبدّد الظلام وتنشر الضياء، تحترق لتسعد مَنْ حولها، فكيف لا ننصت لقصتها وهي تروي لنا حكايتها!

الشمع مادة دهنية تكون صلبة في درجات الحرارة العادية وتذوب بالتسخين، ومصادرها بيئية متعددة، منها الحيواني كالذي يُفرزه النحل، ومنها النباتي كشجرة نخيل الشمع المنتشرة في دول أميركا الجنوبية، وهي بالمناسبة أطول أنواع النخيل قاطبة حيث يصل طولها الى 60 م في السماء، وثمرها لا يصلح إلّا للطيور والمواشي، لكن جذعها الطويل مكسو بكميات كثيفة من الشمع، ومنها النفطي وهو اليوم أكبر تلك المصادر ومنه دهن الفازلين الذي لا يخلو منه بيت من البيوت، وهو خليط ما بين شموع وزيوت معدنية، و قد سجّل براءة اختراعه في أميركا السير روبرت تشيز برو عام 1870م!

دخل الشمع في صناعة مواد التجميل وتغلغل حتى في أحمر الشفاه، وقد صاحب الإنسان منذ القِدم فقد استخدمه المصريون القدماء في تحنيط موتاهم، وفي بلاد الرافدين استخدمه السكان في صناعة الجلود المقاومة للماء، والصينيون في طقوس العبادة، واستخرج منه الهنود المراهم، واستخدمه الجميع في الإنارة والإضاءة، و رغم اكتشاف الكهرباء والمصباح فإن الشموع ظلت حاضرة في المناسبات والحفلات والأعياد، ألم أقل لكم كم إن هذا الشمع عنيد عتيد!

Twitter: @HamadBouresly

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي