pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

من الخميس إلى الخميس

مؤامرةُ الشّر وتحالف الخير

حدث قبل عقود أن انتشرت سخرية من نظرية المؤامرة، وتوسعت هذه السخرية حتى طالت بعض قادة الفكر لدينا.

اليوم، ما إن تتكلم عن تكالب اﻷمم علينا، أو تخطيط دول ضدنا حتى يسخر منك الكثيرون بحجة أنك من رواد نظرية المؤامرة، فما قصة نظرية المؤامرة هذه؟ إنها ببساطة تنص على أن هناك أقوياء يخططون ﻹبقاء الضعيف على ضعفه، أو يخططون ﻹضعاف المنافسين لهم من الأقوياء، إنها فكرة رمزية تمثل طبيعة اﻹنسان في كل زمان ومكان فلا يوجد تشكيل بشري صغير أو كبير إلا وتوجد معه الخلافات، ومن ثم الاستقطابات، تليها الصراعات التي يَستخدم فيها البعض أساليب تآمرية من أجل الفوز.

إذاً، نظرية المؤامرة بهذا المفهوم هي من الخصائص البشرية، وليست وليدة عام 1929كما يحلو لبعض الاقتصاديين الغربيين ربطها بالكساد الكبير، وقد كُتبت مؤلفات كثيرة حول هذه النظرية جميعها يدور حول فضح أشهر الأساليب المستخدمة للتآمر، أهمها (أحجار على رقعة الشطرنج بقلم وليام جاي كار) و(حكومة العالم الخفية لشيريب سبيريدوفيتش) و(لعبة الأمم لمايلز كوبلند ) و(عقيدة الصدمة لنعومي كلاين ) وغيرهم كثير.

المؤامرة ليست وليدة زمن قريب، أو بعيد بل هي مخلوقة مع الإنسان، فكما يتنفس اﻹنسان يتآمر. وللتآمر عادة وجهان، متآمِر ومُتآمر عليه، وعادة ما يحيط المتآمرون أنفسهم بقيم من أجل إقناع أنفسهم والآخرين بقضيتهم، أما الضرر فيقع على الوجه الآخر جراء إقصاء قيمهم ومصالحهم واستبدالها بقيم ومصالح أخرى.

على مستوى العمل تجد الصراعات تأخذ منحنى تآمرياً في الصراع من أجل السيطرة وقيادة العاملين، وفي الوطن تجد الحكام أو اﻷحزاب أو القوى المؤثرة تتآمر مع بعضها، أو ضد بعضها للمحافظة على مكاسبها والتوسع فيها حاملة قيماً وشعارات مغرية من أجل المزيد من المكاسب، كما يحدث عندنا حين ينجح بعض أهل النفوذ في تلميع إنسان لينال ثقة الناس ثم يتم استخدامه لتحقيق مصالحهم، وحين يكتشف الناس الملعوب يتم العمل من جديد على بناء رجل آخر وهكذا تستمر لعبة المؤامرة.

أما على المستوى الإقليمي أو الدولي فهناك منظمات عالمية وحكومات تتواصل في ما بينها من أجل إحكام تفوق عناصرها، وضمان سيطرتها على منابع القوة والتأثير في العالم، ورغم بساطة هذا اﻷمر إلا أن هناك الكثيرين ممن ما زالوا يُشككّون في نظرية المؤامرة بسبب خوفهم أن تُسقط هذه النظرية حق الشعوب بالتحدي والعمل وتنتهي بالإنسان الى اليأس والاستسلام لتلك القوى «الغول» التي تسيطر على العالم.

هذا الخوف بالطبع له ما يبرره ولكنه لن ينفي هذه النظرية، والأفضل أن يتبنى الخائفون عقيدة الخير والشر بدل محاولات إنكار نظرية المؤامرة، فمقابل التآمر هناك تحالف للخير ومقابل النفوس الخبيثة هناك نفوس طيبة، فكما يتآمر الأشرار يتحالف الأخيار لنشر قيم الخير وإبطال الشر، فكم شعوباً ضعيفة اتحدت وتحالفت ضد ظالميها فأسقطتهم، وكم شخصاً ضعيفاً عارض واختلف مع قوة عظمى وصمد مع الأخيار وتغلب عليهم، إذاً، نظرية المؤامرة لا تعني أبداً كما يحاول البعض أن يوهمنا، لا تعني أنها المنتصرة بالضرورة لا سيما إذا واجهت تحالف الأخيار، هنا يكون النصر دائماً للأخيار.

إذا كان هناك من يتآمر للشر فلنتحالف للخير، وإذا كان هناك من يتآمر على الإنسان وقيمه فلنتحّد من أجل قيم الإنسان التي ارتضاها لنا ربنا عزّ وجل.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي