pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

الزاوية الخضراء

قصة الشمع (1)

نظم أحد الشعراء ويُدعى أبواسحاق إبراهيم بن يحيى الملقب بالأديب الغزي - ت524 هجرية - بيتاً من الشعر على هيئة سؤال يقول فيه:

مالي أرى الشمع يبكي في مواقده! من حرقة النار أم من فرقة العسل؟!

وكانت إحدى الصحف أعلنت عن جائزة لمَنْ يستطيع أن يُبدع في الإجابة عن هذا السؤال ببيت من الشعر بذات الوزن والقافية، فكانت الإجابات الواردة للمسابقة أشعاراً منقسمة بين مَنْ قال إن ما أبكى الشمع فجعله يسيح، هو حرقة النار التي جعلت تلك الشموع من حرارتها تسيل منها الدموع، وبين مَْن قال إن الشمع بكى بسبب ما تجرّعه من ألم الفراق حينما فصلوا عنه صديق عمره [العسل]، والذي كان معه حلواً في أحشائه ومذاباً بين أضلاعه.

وقد فاز بالجائزة، الشاعر صالح طه الذي أجاب ببيت من الشعر يقول فيه:

مَنْ لم تجانسه فاحذر أن تجالسه

ما ضر بالشمع إلا صحبة الفتلِ...

وهنا يقصد الشاعر طه أن سبب بكاء الشمع حين سالت قطراته حرّى من أجنابه، هو وجود شيء ملتصق فيه وليس من جنسه وهو الفتيل أو الفتيلة التي حين تحترق تحرقه معها، والشاعر يدعوك لانتقاء جلسائك وأصحابك كي لا تحترق بسبب الجليس والصاحب السوء.

والفتيل، وإن كان يخترق الشمعة على شكل حبل رفيع، إلا أنه يكون على شكل شريط ملتف من قماش قطني بطول ست أو سبع بوصات كان يُستعمل قديماً في المصباح، والذي يُقال له في الكويت السراج (سراي) ولا غنى عنه قبل وجود الكهرباء في كل بيت.

وهذه القطعة المفتولة من هذا الشريط، بمثابة اللمبة حين يوقد رأسها بعود من الثقاب (الكبريت)، ولأن هذا الفتيل متصل في خزان صغير بقاعدة المصباح ملأى بالكيروسين الذي يُسمى بالكاز فتستمد من الوقود، وأحياناً كان هذا المصباح يسبب لأهله المتاعب بسبب اتساخ الفتيلة أو بسبب رطوبتها مما يتسبّب بانبعاث الدخان الأسود في الدار أو الحجرة فيتلطخ منه الجدار أو يصطبغ منه السقف بالسواد.

وحين تشتد نسمة من الريح أو يهب تيار من الهواء، فإن هذا السراج يبدأ في البغبغة، وهي بالمناسبة كلمة عربية فصيحة تعني سرعة صوت اللهب المتقطع حين ينازع، ثم ما يلبث أن ينطفئ، كما قال الشاعر الظريف الملقب بالنقاش -ت٣٨٦هجرية-:

إذا وجد الشيخ في نفسه نشاطاً فذلك موت خفي،

ألست ترى أن ضوء السراج له لهب قبل أن ينطفي!!

ولو كنت يا صديقي القارئ معهم في الدار ستجد نفسك تتخبط في الظلام بحثاً عن علبة الكبريت ثم بحثاً عن موضع السراج، وبعد إشعالك لتلك الفتيلة ستلاحظ أن الشعلة اتخذت وضعاً جانبياً كأنها أخذت على خاطرها منك، وهنا يتصاعد الدخان من هذا الميلان، وستنتظر حتى الصباح لتصلح الفتيلة بقرضها بالمقص، فإذا كانت قصيرة فلن يتصل جذرها الأسفل بالوقود، وستذهب الى راعي الدكان (البقال) الذي لا يخلو منه فريج من الفرجان -حي من الأحياء- والذي بدوره يجني في دكانه بكرة للفتايل ويبيعك من غير قياس [على الحروة] كما يقول أهل الديرة وأنت تترجاه أن يزيد في التقدير، وهو ينهاك عن التبذير.

ونعود إلى الشمع فنقول إن هذا الشمع البكّاء هو حقاً عنيد، فهو أيضاً بذاته أول الحاضرين في الأفراح وفي جميع المناسبات الاجتماعية السعيدة، وأكثر الحضور فرحاً به هم الأطفال، الذين يحتفون بأعواد الشموع أكثر من المحتفى به بل أكثر من المناسبة ذاتها!!

وفي الحلقة الخضراء المقبلة بإذن الله، سنتابع قصة هذا الشمع العنيد العتيد.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي