pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

ابعاد السطور

سائل المزاج الأسطوري!

حينما اُكتشفت القهوة أشغلت الناس لمدة 200 عام، أي قرنين من الزمن، بين هل هي حلال شُربها أم هي حرام؟! بل تشعب وامتد هذا الخلاف الفقهي في شرب القهوة ليصل إلى خلاف أدبي عميق، حيث تكوّن في تلك الحقبة الزمنية الطويلة فريقان أدبيان مختلفان في القهوة، أحدهما يكتب الشِعر والنثر في حب القهوة، وآخر يكتب الشِعر والنثر في ذم القهوة ومن يشربها!

وعن زمن اكتشاف القهوة ومن هو مبتكرها تعددت الأخبار والمصادر، ولقد بحثت شخصياً عن ذلك، فوجدت أن معظم المصادر وأقدمها، مثل مخطوطة نزهة الأنام في محاسن الشام، لمؤلفها أبو البقاء البدري، (847-894) هـ، المُنجزة سنة 877 هـ، يذكر أن أبو بكر بن عبدالله الشَّاذِلي العيدروس، من آل باعلويّ، (851 - 914 هـ = 1447 - 1509 م)، هو مبتكر مشروب القهوة المأخوذ من شجرة البن.

وعن موطن شجرة البن الأصلي الذي انطلقت منه نحو خريطة العالم تذكر مصادر عدة أن اليمن هو منصة الانطلاق الأولى للقهوة باتجاه البلدان والأقاليم والقارات، حيث ذكر ابن العِماد الحنبلي، (1032-1089) هـ، في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب، أن موطن شجرة البن الأصلى هو اليمن.

وأيضاً ذكر الرحالة والفقيه المغربي عبدالله بن محمد العياشي، المولود في 1037هـ، والمتوفي في 1090هـ، في كتابه (الرحلة العياشية)، أن شجرة البن خرجت من أرض اليمن.

وفي مقال بعنوان (تاريخ القهوة عند العرب) لعبدالفتاح حياوي، نُشر في مجلة آفاق عربية، العدد السادس، بتاريخ 1 يونيو 1979، ذكر أن اليمن هو الموطن الأصلي لشجرة البن، وأن الأحباش في الفترة التي احتلوا بها اليمن نقلوا الكثير من شجر البن إلى بلادهم وزرعوها هناك.

وعن بدايات انتشار المقاهي في العالم، ذُكر في كتاب (التاريخ الثقافي للقهوة والمقاهي)، لمؤلفه المعاصر محمد الأرناؤوط، أن القهوة عُرفت في بداية الأمر باليمن في آخر القرن التاسع الهجري، أي في القرن الخامس عشر ميلادي، ثم انتشرت في الشام والحجاز ومصر في القرن العاشر الهجري، أي في القرن السادس عشر ميلادي. وأن (حوانيت القهوة) كان هو المُسمى الأول الذي كان يُطلق على المقاهي، وقد انتشرت المقاهي في دمشق في عام ( 947هـ، 1536م) على الأقل، وذكر المؤرخ البوسني العثماني بجوي إبراهيم أفندي، أن استنبول عرفت القهوة والمقاهي في سنة ( 962هـ)، حيث قام شخصان من الشام وحلب في 26/ 10/ 1554م، بفتح مقهيين في محلة تحت القلعة، يبيعان القهوة للزبائن المتزايدين، مما جذب لهذين المقهيين العديد من القضاة والكُتاب والمؤلفين والمدرسين وكِبار الموظفين.

وأن في عام (973هـ، 1565م)، قد وصل عدد المقاهي في مدينة القدس إلى خمسة مقاه. وان في مكة بدأت بيوت القهوة بالانتشار في عام (1916-1917م)، وفي سراييفو عاصمة البوسنة في عام (1000هـ/ 1592م)، ومن البوسنة انتقلت القهوة لأوروبا عن طريق الرحالة الأوروبيين الذين زاروا بعض المدن البوسنية مثل موستار وغيرها من المدن. وبهكذا يكون أول مقهى أُفتتح في العالم، في مدينة دمشق.

أما عن شُرب القهوة فالناس صنفان، صنف يشربها حاجة لها، وصنف اخر يشربها مسايرة ومواكبة للناس.

والذي يهمنا أمرهم في موضوعنا هذا، هُو الصنف الأول، أُولئك الذين يرون أن القهوة في الصباح هي أجمل مقص يُقصون فيه شريط بداية يومهم، وأُولئك الذين يدركون قيمة الفنجان حينما تلف في رؤوسهم فكرة أرّقتهم، وأُولئك الذين يأخذون مع فناجينهم قسطاً من الراحة والهدوء، وأُولئك الذين يشتاقون الذهاب إلى المقاهي لكيّ يشربوا القهوة مع أنفسهم.

أما أنا فلا أشرب القهوة ترفاً، ولا من أجل أن ألتقط لها صوراً، أنا أشرب القهوة كي أكون على ما يرام، كي أصنع لي مزاجاً جيّداً، كي أخرج للشارع وأنا مستعد أن أتحمل صفاقة بعض من ألقاهم.

يقول إليوت: «إني أقيس عمري بعدد ملاعق القهوة». ويقول جون دروتن: «لو كنت امرأة لارتديت القهـوة عطـراً».

ويقول نذير الزعبي لمحبوبته: «أرجـوك ألا تمـرّي ببـالي بينمـا أشـربُ القهوة، فما زلـت أحبُّها بلا سُكّر».

ويقول نزار قباني: «عندما أشرب القهوة معكِ أشعر أن شجرة البن الأولى زُرعت من أجلنا».

ويقول محمود درويش: «القهوة الأولى يفسدها الكلام، لأنها عذراء الصباح الصامت».

ويقول مريد البرغوثي: «أعظم ما في القهوة، التوقيت، أن تجدها في يدك فور تتمناها، فمن أجمل أناقات العيش تلك اللحظة التي يتحول فيها ترف صغير إلى ضرورة».

يقول أنطوني تروليون: «ما الذي على هذه الأرض يمكن أن يكون أكثر ترفاً من أريكة وكتاب وكوب من القهوة».

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي