pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

تفاصيل من داخل العملية الخاصة التي نفذتها القوات الأميركية المتمركزة في البلاد

«قرية الحرية» في الكويت... «ترانزيت» لـ 5 آلاف أفغاني عبروا إلى الولايات المتحدة

في صحراء الكويت، وفي منتصف نهار كان كثيف الغبار على غير المعتاد في منتصف سبتمبر المنصرم، وقف الميجور جنرال (اللواء) الأميركي جون رودس - القائد العام لفرقة المهام الخاصة «سبارتان» (TFS) وفرقة المشاة رقم 29 التابعة للحرس الوطني لولاية فيرجينيا - بالقرب من معسكر في قاعدة الأديرع (بوهيرنغ) العسكرية التي تتمركز فيها قوات أميركية. وعلى مرمى بصره، انتصبت عشرات من خيام الإيواء التي باتت فارغة وصامتة بعد أن ظلت أماكن إيواء صاخبة على مدار أسبوعين لآلاف من «الضيوف» الأفغان الذين كانوا بمثابة «عابري سبيل».

ذلك المخيم الموقت حمل اسم «قرية الحرية»، وكان بمثابة محطة «ترانزيت» جرى إنشاؤها خصيصاً ليعبر من خلالها نحو 5 آلاف أفغاني إلى الولايات المتحدة قادمين من عاصمتهم كابول التي تم ترحيلهم منها حفاظاً على حياتهم من انتقام حركة طالبان بعد توليها زمام السيطرة على أفغانستان.

نستعرض في التالي تفاصيل عملية «قرية الحرية» التي شهدتها أرض الكويت قبل أسابيع قليلة، نقلاً عن موقع إعلامي تابع للجيش الأميركي:

بدا الميجور جنرال رودس راضياً عن جهود ومستوى أداء رجال فرقته. فقبل ذلك بأيام قليلة، كان ذلك المخيم الموقت يعج بآلاف من الأفغان المنهكين من وعثاء السفر والذين كانوا قد وصلوا جواً من كابول إلى أرض الكويت.

وخلال فترة الأسبوعين، كان الأطفال الأفغان الفضوليون – الذين بدوا غير مدركين لحقيقة ظروفهم الحساسة – يركضون جيئة وذهابا، وكانوا يلعبون كرة القدم مع الجنود الأميركيين بينما كانت تطغى على أجواء المكان أصوات هدير وزمجرة حافلات كانت تثير مزيداً من الغبار أثناء سيرها على الطرق غير المعبدة لدى وصولها حاملة أفواجاً من نحو 5 آلاف أفغاني كان يتم إجلاؤهم تباعاً من كابول تمهيداً لإعادة ترحيلهم إلى الولايات المتحدة.

كان الميجور جنرال رودس سعيداً لأن العمل الجماعي الذي بذله جنوده على مدار أسبوعين أدى إلى عبور أولئك النازحين الأفغان من شاطئ الخوف إلى شاطئ بصيص الأمل.

*بداية المهمة

في أواخر شهر يوليو الماضي - وبينما كان العالم يترقب ما سيؤول إليه مصير المترجمين الأفغان وعائلاتهم، بدأ الميجور جنرال رودس ورجاله في فرقة المهام الخاصة «سبارتان» التخطيط بهدوء لعملية استقبال وإيواء إعادة إجلاء أولئك الفارين من وجه «طالبان».

ثمانية من فرقة المهام الخاصة «سبارتان» المتمركزين في الأردن سافروا إلى الكويت لإجراء مسح لموقع المخيم الذي أطلقوا عليه اسم «قرية الحرية» وتم تحويله لاحقاً إلى مجمع مترامي الأطراف لاستقبال وإيواء آلاف الأفغان موقتاً إلى حين تسفيرهم إلى الولايات المتحدة.

تألفت قوة المهام الخاصة من ضباط وكبار ضباط صف. وعلى الرغم من أن معظمهم كانوا قد أمضوا حياتهم العسكرية بأكملها في التخطيط للعمليات الحربية، إلا أنهم كانوا متحمسين لمهمتهم التي تمثلت في إنشاء قرية إيواء متكاملة المرافق والخدمات في غضون مهلة زمنية قصيرة نسبياً.

أحد ضباط الصف الذين جاؤوا من الأردن هو الرقيب غافن ماكلونغ الذي قال مسترجعاً ذكريات المهمة: «بدأنا العمل في غضون 24 ساعة من تلقي الأمر.

ومنذ تلك اللحظة، واصلنا العمل ليل نهار بأقصى سرعة».

واستفادت الفرقة أيضاً من قدرات لواء المهندسين رقم 111، والذي قام بإزالة المخلفات وتسوية رقعة الأرض الشاسعة المخصصة لتشييد «قرية الحرية» التي صممت بحيث تشمل جميع مرافق الإعاشة، بما في ذلك مركز ثقافي وآخر للفحص الطبي ومستودعات للتجهيزات والإمدادات.

لكن خلال مرحلة الإعداد التمهيدي، جاءت أوامر جديدة مفادها أنه بدلاً من إيواء النازحين الأفغان في ذلك المخيم، سيستخدم بدلاً من ذلك لإعادة انتشار جنود أميركيين قادمين من أفغانستان.

وبالسرعة نفسها التي خططوا بها لإيواء الأفغان، بدأ الفريق في وضع خطة أخرى لاستقبال آلاف من من الجنود الأميركيين الذين أنهكتهم المعركة.

وعن ذلك قال الرقيب ماكلونغ: «قمنا بتغيير خطة التشييد من بناء خيام تتسع الواحدة منها لعشرة أشخاص إلى بناء مهاجع مفتوحة، وذلك لأن احتياجات المدنيين تختلف عن احتياجات الجنود.

كان علينا التخلي عن الكثير مما خططناه في التصميم الأول كوسائل راحة لعائلات المدنيين، والاستعاضة عن ذلك بمرافق تناسب الجنود».

* تعديلات عاجلة

لكن بالتزامن مع هذا التغيير في خطة عملية «قرية الحرية»، طرأ تغيير على الأوضاع في أفغانستان.

فمع انقضاض مقاتلي حركة طالبان على العاصمة الأفغانية وسيطرتهم عليها، تدفق عشرات الآلاف من الأفغان المعرضين للخطر إلى مطار كابول، باحثين عن وسيلة للخروج من البلاد وعن مستقبل أكثر أمناً وأماناً.

وبعد ذلك بأيام قليلة، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن بدء عمليات الإجلاء الرسمية للأفغان حاملي تأشيرات الهجرة الخاصة، وتقرر أن تكون رحلات الإجلاء إلى قاعدتين أميركيتين في كل من الكويت وقطر.

في ضوء ذلك، كان على قادة وأعضاء فرقة المهام الخاصة «سبارتان» تغيير خطتهم مرة أخرى والعودة إلى الخطة الأولى الأصلية، مع فارق أنهم في هذه المرة أصبحوا يعرفون العدد التقريبي للمدنيين الأفغان الذين سيتم استقبالهم وإيواؤهم موقتا في «قرية الحرية».

*موافقة كويتية على مهمة إنسانية

وعن تلك التغييرات قال ماكلونغ: «واصلنا العمل على مدار الساعة في إطار مسار عمل معين لمدة عشرة أيام، ثم قمنا بتغيير مسارنا مرة أخرى عندما تم إبلاغنا بأن الحكومة الكويتية قد وافقت على أن تساعدنا من خلال موافقتها على استقبال أولئك النازحين موقتاً من منطلق أن تلك مهمة إنسانية الطابع».

وفي ضوء اتضاح أعداد الأفغان الذين وافقت الكويت على استقبالهم واستضافتهم على أرضها، بدأت فرقة «سبارتان» في التعاون مع وحدات تخصصية فرعية لتحديد وتدبير الاحتياجات اللوجستية اللازمة لـ5 آلاف شخص.

وتابع ماكلونغ قائلاً: «احتاج الأمر إلى الكثير من التخطيط والتنفيذ في غضون فترة زمنية قصيرة، وذلك لأن المدنيين النازحين كانت لهم احتياجات مختلفة عن احتياجات العسكريين.

ولأنه لا ينبغي للمدنيين التجول في أرجاء القاعدة العسكرية، فإنه كان علينا مراعاة وتوفير لوجستيات خاصة للنقل وخدمات الإعاشة».

لكن على الرغم من أن منظومات الضوابط والتوازنات لدى الجيش الأميركي هي من بين الأفضل عالمياً في ما يتعلق بتحقيق النتائج الأمثل، فإن التحدي الأكبر الذي واجهته كان متمثلاً في عنصر السرعة.

فيومياً، كان يصل مئات من النازحين الذين كان يتم إجلاؤهم تباعاً على متن طائرات عسكرية أميركية، وكان على فرقة «سبارتان» أن تتصرف على الفور لاستيعابهم أولاً بأول.

ووصف ماكلونغ ذلك التحدي قائلاً: «من الناحية اللوجستية، واجهنا الكثير من العقبات، وذلك لأن أفواج النازحين كانت تتوافد يوماً بعد يوم وكان الناس بحاجة إلى المأوى والطعام.

يرجع الفضل في نجاحنا في تلك المهمة إلى مرونة قادتنا، حيث إنهم منحونا كافة التيسيرات دون التقيد بالإجراءات الروتينية».

* توسعة عاجلة

ومع استمرار تدفق مزيد من النازحين الأفغان إلى الكويت قادمين من كابول، أدرك فريق العمل أنه يحتاج إلى توسعة «قرية الحرية» بمزيد من الخيام والمرافق كي تستوعب القادمين الجدد.

لذا، لجأ فريق العمل إلى تلبية متطلبات التوسعة من خلال استخدام منشأة كان قد تم بناؤها في جزء آخر من القاعدة وكانت تستخدم لعزل الجنود أثناء ذروة تفشي جائحة «كوفيد- 19».

الملازم أول جون ريفيرا، ضابط مركز العمليات التكتيكية لفرقة «سبارتان» التقط طرف الحديث قائلاً: «مرة أخرى، كان علينا القيام بذلك في غضون 24 ساعة لأن مزيداً من النازحين كانوا إما قادمين في الطريق إلينا أو وصلوا وموجودين بالفعل على الأرض. ولأننا كنا نتكيف سريعاً مع تغيرات ومتطلبات ذلك الوضع الضاغط، فإننا كنا ندرك أن جهودنا ستنجح لأننا بدأنا بخطة قوية، وهذا ما حصل بالفعل».

*وداع... وبدايات جديدة

في اليوم الأخير لأعمال «قرية الحرية»، اصطف جنود فرقة «سبارتان» على جانبي الطريق وراحوا يودعون آخر فوج من النازحين الأفغان الذين استقلوا حافلة اتجهت بهم إلى مطار الكويت ليستقلوا رحلتهم الجوية إلى الولايات المتحدة.

وفي حين كان ذلك المشهد الوداعي نهاية لفترة أسبوعين قصيرين ومكثفين، فإن تلك الفترة شهدت أيضاً بدايات جديدة لكثيرين.

فلقد شهدت تلك الفترة بداية جديدة بالنسبة لمولودين أفغانيين أبصروا نور الحياة في ضيافة ذلك المخيم.

وإذ انتهت مهمة «قرية الحرية» بنجاح مع ترحيل آخر فوج من الأفغان، فإن أكثر من 800 جندي أميركي عملوا تحت قيادة فرقة «سبارتان» لمساعدة نحو 5 آلاف من النازحين الأفغان في رحلة عبورهم من التهديد والخوف إلى بر الأمان في الولايات المتحدة... مروراً بأرض الكويت.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي