pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

من منظور آخر

قانون التحرش في الأدراج

عندما نتحدث اليوم عن التحرش سواء اللفظي أو النفسي أو الجسدي، فإننا نتحدث عن معاناة مئات أو آلاف النساء، عن جريمة تبدأ بالمتحرش ومن يسانده ومن يدافع عنه، والدفاع هنا ليس بالضرورة أن يكون مطالبة علنية بالتحرش، بل بتبرير ذلك الفعل، بأن يقول إن سبب التحرش هو لباس المرأة، علماً أنه لم يوجد أي عامل مشترك بين ضحايا التحرش، فلم تكن النساء جميعهن غير محتشمات، بل على العكس اختلفت الضحايا ما بين محجبة ومنقبة وغير محجبة، وحتى بين الأطفال سواء الأولاد أو البنات، وهذا يعني أن إلقاء اللوم على المرأة في حالة التحرش ليس سوى محاولة الفرار من مسؤولية الجرم الذي يقع على عاتق الجاني ألا وهو المتحرش، لأننا إذا ألقينا اللوم عليها فهذا يعني أن المتحرش بلا عقل، أي أنه من الممكن أن يسرق إذا وجد مالاً أو سيارة غير مقفلة، وهذا يعني أنه خطر على المجتمع بجميع الحالات.

أما الفئة الأخرى فتحاول أن تحسن من صورتها أو من جرم التحرش، فتقول إنه إطراء وليس تحرشاً، يجب أن يكون هناك احترام، وقبول من الطرف الآخر، وعدم إيذائه، كي نقبل بقول «إطراء» هذا في حال إذا لم يكن هناك معرفة مسبقة بالطرف الآخر، حالات التحرش جميعها لم يكن أحد من ذلك من بينها، وعندما أقول إيذاء ليس بالضرورة أن يكون جسدياً، أي لا يعني أن تتعرض المرأة لحادث سيارة، أو تفقد قدميها أو حياتها كي نقول عن ذلك إيذاء، بل أيضاً الإيذاء النفسي الذي يسببه التحرش، والذي يشعر المرأة بعدم الأمان، والخوف، والغضب، وانتهاك الحرية والكرامة، حتى أعمالها اليومية البسيطة صار من الصعب القيام بها.

المتحرش، هو من يقوم بالفعل، إذاً هو الجاني والمرأة هي الضحية، يعود ذلك لأسباب كثيرة، منها أسباب اجتماعية، تتعلق بتربية الذكور على أنهم سيصبحون رجالاً بدرجة تحكمهم بالنساء من حولهم: إذا فعلت اختك ذلك فأنت بلا شرف، وإذا ناديت زوجتك باسمها فأنت عديم المروءة، وأن المرأة هي شرفه وعاره وعرضه، كذلك التربية والإعلام الذي يمجد الرجل (سي السيد) وتتلخص رجولته وذكاؤه في تجاربه العديدة مع النساء، لذا يحاول إخضاعهن لنزواته مهما كلف الأمر، كما أنهم يعتقدون أنهم الأعلى والمرتبة الأولى اجتماعياً عن النساء.

كما أن هناك اعتقادات مهدت لحالات التحرش، فكرة عدم خروج المرأة، وتعطرها، ومشيتها ونبرة صوتها يجب ألا تعلو أبداً، فإذا رأوا من تخالف ذلك يكون من واجبهم أن يخضعوها بالتحرش لأنها تكون الملامة في النهاية.

حتى تربية النساء على أنهن مخلوقات لخدمة الرجل، وأن البنت ليس لها سوى بيت أهلها ومن ثم زوجها، وأنها تحتل المرتبة الثانية بعد الرجل دائماً، هذا يهيئ المناخ المناسب لخضوع الكثير منهن لحالات التحرش لأن عليها أن تجد الزوج المناسب وإلا فالقطار سيفوتها.

كما أن المجتمع الذكوري والنظام الأبوي الذي أخذ منها الكثير من الحقوق وأعطى في المقابل الكثير من الامتيازات للرجل يجعلها تنظر إلى نفسها على أنها الأضعف والأقل منزلة من الرجل، وأنها الملامة دائماً، فإن تحرش بها أحد ألقوا اللوم على لباسها أو تحركاتها أو أماكن تواجدها، مما قد يسبب لها الكثير من المتاعب ولربما تعرضت للعنف الأسري والاجتماعي، فبالتالي تغض النظر عن الكثير من الإساءات الجنسية واللفظية، ويصعب عليها الإبلاغ عن حالات التحرش التي تتعرض لها، وإن استطاعت أن تبلغ فليس هناك قانون وعقوبة صريحة ضد المتحرش.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي