pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

المخرج القفاص دوّن «خربشاته المجنونة» في كل حلقة

«مكان آمن للحب»... عمل فلسفي بامتياز !


- «جراح» يشبه إلى حد ما «جاك السفاح»
- اقتباس مشهد مكرر في الأفلام المصرية... غير مبرر

المتابع لمسلسل «مكان آمن للحب»، الذي انطلق عرضه قبل أيام على منصة «AD TV» الرقمية، سيدرك على الفور مدى التحوّل الذي صنعه المخرج محمد القفاص في المسار الدرامي للأعمال الخليجية، لا سيما وأننا أمام عمل فلسفي بامتياز، بدءاً من القصة التي ألّفها القفاص بمعية الكاتبة سارا ديب، مروراً بالأدوار المركّبة لبعض الشخصيات، ووصولاً إلى المؤثرات البصرية والسمعية، وانتهاء بالموسيقى التصويرية التي جاءت متناغمة ومنسجمة للغاية مع كل مشهد، «وهي عبارة عن مجموعة معزوفات غربية، تم شراؤها من مواقع عالمية مختلفة» وفقاً لما صرّح به المخرج لـ«الراي».

يتكوّن المسلسل من 10 حلقات فقط، ولكنه يحمل قصصاً عميقة في مضمونها، ويقدمها بشكل مُلخص ووافٍ من دون الإطالة أو المبالغة في السرد الدرامي، حيث تبدأ الأحداث بعد خروج «ليال» و«ساهرة» و«جوري» من دار الرعاية، بفضل سيدة الأعمال «منتهى» التي يتضح في نهاية الأمر أنها والدة «ليال» بعدما أخفت هذا السر عنها لسنواتٍ طويلة، كما أنها هي التي أودعتها في دار الرعاية فور ولادتها، لعدم وجود ما يثبت أنها ابنتها، خصوصاً أن زواجها لم يكن زواجاً رسمياً.

شاهدنا في العمل وجود أكثر من خط درامي، مثل علاقة «ليال» بـ«جراح» و«ساهرة» مع «جلال»، وعلاقة «جوري» بـ«يعقوب»، و«أفلاطون» مع «منتهى»، بالإضافة إلى الخط الذي تشغله «ميس كمر» مع ابنها القاصر ذهنياً... ففي كل مسار هناك قصة مستقلة بذاتها، وأحداث مشوّقة.

عمق الرؤى

لو نظرنا إلى الشخصيات المركّبة، لوجدنا عمق الرؤى وتفتق الفكر للكاتب القفاص والكاتبة سارا ديب، حيث نجحا في الغوص داخل النفس البشرية، وتجلّى ذلك في شخصية «جراح» التي يؤديها الفنان علي الحسيني، الذي يعمل طاهٍ في أحد المطاعم الفاخرة، ولكنه في حقيقة الأمر هو شخص غريب الأطوار، ويشبه إلى حد ما شخصية الجرّاح الإنكليزي المعروف بـ«جاك السفاح»، الذي ارتكب العديد من الجرائم في لندن خلال القرن الـ18.

ما دفعنا إلى الربط بين الشخصيتين، هو أن كليهما يمتلكان المهارة والخبرة الكبيرة في استخدام السكين، رغم الاختلاف في طريقة القتل، فجراح يستخدم السم لذبح ضحاياه، في حين يُفضّل «جاك السفاح» الآلات الحادة...!

أيضاً، لا نغفل الدور المركّب لـ«أفلاطون»، الذي يجسده الفنان عبدالله التركماني، وهو شخص قوي وصارم في تعامله مع العصابات المنافسة له، إذ يسعى جاهداً لامتلاك المال من خلال عمله في تجارة المخدرات، أو الحصول عليه من زوجته الثرية منتهى.

أما الفنانة نور، فقد أدّت ببراعة دور سيدة الأعمال «منتهى»، ذات الشخصية القوية وشديدة الدهاء والنفوذ، وعلى إثر ذلك، يصطدم زوجها «أفلاطون» بسد منيع، في كل مرةٍ يحاول استغلالها. ولكن، مع كل ما قدمه «أفلاطون» و«منتهى» من أداءٍ متميز، فلا نجد مبرر من قِبل الكاتبين في اقتباس مشهد لطالما تكرر في الأفلام المصرية، ونستذكر منها فيلم «حب في الزنزانة» لعادل إمام وسعاد حسني، وهو مشهد اعتراف «الزعيم» بجرمٍ لم يقترفه بعد أن تعهّد له وكيل صاحب العقار الذي سقط على ساكنيه (عبدالمنعم مدبولي) وأوهمه بتأمين مستقبله إذا وافق على دخول السجن عوضاً عن المتهم الحقيقي (جميل راتب).

ويبدو أن المشهد نفسه انتقل الى الدراما الخليجية، فبعد دخول «منتهى» السجن بسبب العثور على مخدرات زوجها في الشحنة الموجودة داخل المستودع التابع لشركتها، يلجأ زوجها إلى مساومة حارس الشركة، كي يعترف بتهمة المتاجرة بالمخدرات وتأمين مستقبل عائلته، أو الضياع هو وأبنائه الخمسة.

الكوميديا السوداء

في جهة أخرى، أبدعت الفنانة ميس كمر في دور الأم التي تكابد بسبب القصور الذهني لابنها، حيث قدمت الكوميديا السوداء في أبهى صورها، واستطاعت أن تجذب الأنظار إليها رغم صغر مساحة الدور المسند إليها.... وربما تكون الفنانة السورية رواد عليو أقلّ حظاً في الحصول على دور يناسب إمكاناتها الفنية، حيث قدمت دور «غصون» التي تدخل على خط العلاقة الزوجية بين «أفلاطون» و«منتهى»، وهي شخصية ثانوية، وبإمكان أي فنانة جديدة أن تقدمها بجهد بسيط جداً.

فمن يشاهد رواد في أعمال سابقة مثل «الحرملك» و«خمسة ونص» و«الخبز الحرام»، قد يتساءل مطولاً عن سبب موافقتها على دور كهذا في «مكان آمن للحب».

بدورها، أطلّت الفنانة سلوى الجراش بدور «الفاشينيستا جوري» التي تعاني من هوس الشهرة والتصوير في مواقع «السوشيال ميديا». ومع ذلك، كانت «ملح العمل» عن جدارة واستحقاق، من خلال «قطّاتها» الكوميدية وروحها المرحة، مع صديقتيها «ليال» و«ساهرة».

الجميل في العمل أنه اعتمد على البطولة الشبابية، إذ إن معظم أبطاله من النجوم الصاعدين، باستثناء كمر ونور والتركماني وعليو، الأمر الذي أتاح الفرصة لنجوم شباب أداء الأدوار الرئيسية لتحريك الأحداث، مثل الحسيني وغادة الكندري وإيمان الحسيني والجراش ومروة خليل، وغيرهم.

وهنا لابد من الإشادة بالمخرج القفاص. فبالإضافة إلى توليه مهمة التأليف والإخراج، فقد حرص على تدوين مقولاته أو كما يطلق عليها هو بـ«خربشاتي المجنونة»، وذلك في مقدمة كل حلقة، على غرار «الماء يغسل الدم، ولكن الدم لا يغسل الماء» أو «تستطيع أن تحطمني، لكنني ومن بقايا حطامي سأصنع نفسي»، أو «عزفوا جميعهم لحن المكان الآمن، وحين أكملوا أنغامهم اكتشفوا ضياعهم».

تقنياً، أبدع المخرج وفريقه الفني في إدخال نوع جديد من المؤثرات السمعية، مثل صدى الصوت في بعض المشاهد، فضلاً عن المؤثرات المرئية، من خلال إظهار الرسائل والمحادثات الهاتفية على الشاشة، وهي تقنية لا نراها عادة إلا في المسلسلات الأميركية.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي