pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

خواطر صعلوك

كيف تصبح سعيداً... بعد 7 سنوات من الكتابة؟

يقولون إن المادة الأولى التي خُلق بها الكون كانت «الحب».

تخيل أن هناك كاتباً يعيش على حافة طريق زراعي، يريد أن يكتب مقالاً، وقد نذر نفسه للكتابة فقط، ولا شيء سوى الكتابة... وما أن جلس إلى طاولة الكتابة حتى سمع صوت أبواق السيارات أسفل بيته، فأخذ ثلة من المسامير وبدأ يرميها في وسط الطريق، فتنفجر إطارات السيارات، وبعد أسبوع كامل يعرف السائقون أنه طريق ملعون، فتتوقف أبواق السيارات، ويجلس الكاتب إلى طاولته مرة أخرى، فيسمع صوت القطار وعجلاته الحديدية، فيضع الصخور على «سكة الحديد» لعل القطار لا يمر أو يتوقف، فلا يمر القطار ويختفي صوته، فيجلس الكاتب إلى طاولته لكي يكتب فيسمع أطفال الحي يلعبون... وهكذا!

هذا الرجل يُمضي عمره كله دون أن ينهي مقاله الأول، وربما يموت دون أن يجرب روعة الكتابة عن حب، فالكتابة كما الحب، كليهما لا يحتاجان مبررات أو أسباب أو منطقيات.

في البداية كنت أكتب مقالاتي في هالة من الصمت، وعندما تعلمت أكثر وكبرت أكثر عرفت أن السكينة أهم من الهدوء، وأن الاتزان أهم من الصمت، ثم أصبحت أكتب مقالاتي على ألحان «عمر خيرت» و«الثلاثي جبران» وأصوات الناس في المقهى المطل على أربعة شوارع وإشارة مرور، وعلى العكس من ذلك، عندما كنت أكتب تحت ظل «هالة الصمت» كنت واضعاً القارئ نصب عيني في كل سطر، أما وأنا تحت «هالة اللحن» وأصوات الناس حولي، فقد أصبحت أكتب لنفسي.

ثم تعلمت من الكتابة - كما الحب أيضاً - أن الفكرة هي الأهم، وأن اللغة المستخدمة تُوظف من أجل لمعان ما تريد قوله، أما مهرجان اللغة وكرنفال الكلمات فلن يُعطي معنى طالما أن «الموضوع» لم يضع شيئاً ما، فالكتابة - كما الحب أيضاً - لا يمكنها أن تكون مجرد كلمة وتشبيه ووعود فارغة، وربما أكثر مشاكل الكتابة اليوم، وكذلك الحب هو أن «الكلمة» فيها مقدمة، والشكل مقدم على المحتوى، والتسويق مقدم على الحقيقة، والوعد مقدم على التطبيق.

ثم تعلمت ألّا انساق وراء الكلمات والاقتباسات والأشخاص والأماكن، وأن أتوقف عن البحث وراء الوهم الباطل المسمى «من أنا ؟».

كذلك تعلمت فضيلة عدم طرح أسئلة غريبة، والابتعاد عن رذيلة الاهتمام بالشكل على حساب المضمون، ليس في الكتابة فقط، ولكن في الحب أيضاً، فكما ذكرت أن الكتابة كما الحب، كليهما لا يَقبل التحايل مهما بلغت درجتهما من الاتقان.

كيف يمكن أن تكون سعيداً، بعد سبع سنوات من الكتابة؟

كيف يمكن أن تكون سعيداً، وأنت في السبعين في عمرك؟

كيف يمكن أن تكون سعيداً، وأنت تتناول الجريش والهريس؟

لن تجد هذه الإجابات في ورش التنمية البشرية، ولا كتالوغات عيادات التجميل، ولا بتجربة القفز المظلي من طائرة، ولا على أنغام «فيروز» وقهوة الصباح، ستجد هذه الإجابات عند شخص يحبك، كما أنت، جد شخصاً يُحبك، وسوف تمتلك المادة الأولى التي وجد بها هذا الكون، وتذكر أن كل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر.

Moh1alatwan@

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي