pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

قيم ومبادئ

ضرس العقل... وينه؟

ضرس العقل يقع في الطبقة العليا والسفلى من الفك، وربطوه بالعقل لأن الإنسان يكون في مرحلة استكمل بها تمام العقل والحكمة اللازمة للاستمرار في الحياة، والضرس إذا أصابه تسوس فإن علاجه قد يستعصي عن الحل ولا بد من خلعه... ليستريح!

لكن ماذا عن العقل إذا انحرف عن مساره؟

ودخل دهاليز مظلمة أو أصابته (لوثة)؟

العقل سمي كذلك لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك والآثام، وقالوا هو التمييز والعلم.

وفي الأمثال الدارجة (قالوا من أعقلكم يا قوم؟ قالوا هالمربط!)

يعني أعقل واحد عند هؤلاء القوم مجنون جنون مُطبق!

... فما بال البقية!

حقاً، إننا اليوم نعيش انفلاتاً مادياً وعقلياً واجتماعياً انعكست آثاره على شكل تفكك أسري وزيادة معدلات جرائم الإعلام الإلكتروني مع قضايا سداد الديون والضبط والإحضار، وتسرب دراسي وضعف عام في مستوى التعليم، كل هذا وغيره يتطلب إعادة النظر في مسارات التعليم والتعليم الموازي، وكذلك تفعيل المقومات الأساسية للمجتمع الكويتي التي ينص عليها الدستور في الباب الثاني، وفيها يظهر بوضوح العقل وحسن التدبير الذي ينشده الجميع لكن تبقى مشكلتنا في عدم الالتزام أو الانحراف بالتطبيق!

أتذكر في مرحلة الابتدائية بالفيحاء كان مرسوماً على جدار ساحة العلم «العقل السليم في الجسم السليم».

لكن أين هو العقل السليم اليوم؟ حتى نوجد له الجسد السليم؟ العقل السليم يبدأ من بدايات التعليم الأساسية حيث بدأ الله تعالى رسالته الأخيرة إلى أهل الأرض فقال (اقرأ) للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو في الغار، ثم أمره بالتثبت والتروي لمعرفة الحقائق والأخبار قبل اتخاذ المواقف، وأخيراً أطلق له عنان التفكير في ملكوت السماوات والأرض مما دعاه للتفكير في بدايات خلق الإنسان (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون؟) وهذا برهان عقلي واضح من شأنه أن يضبط مسار العقل من الجموح إذا علم أنه مخلوق، وأنه مربوب لإله واحد سوف يلاقيه يوماً من الأيام مهما طال به الزمان، ويجازيه على عمله كما أن الإسلام حث على المشاورة في الأمور كلها لتتكامل العقول وتجتمع الآراء.

والعقول أنواع كثيرة منها العقل المتخلف الذي يعيش على الخرافة والأسطورة من الشعوذة والسحر والكهانة، وقد يكون صاحبه دكتوراً أو بروفيسوراً، لكنه أسير الخرافة والتشاؤم، فتجده مثلاً إذا أراد السفر في الطائرة لا يجلس على المقعد رقم 19 لأنه تشاءم منه منذ صغره!

وهناك العقل المزدوج وهذا من أخطرها، وهذا ما يمثله المنافقون اليوم، تجدهم يدعون إلى الحوار والانفتاح والنقاش بصورة متحضرة ولهم حجة ويحاربون التعصب، ولكنهم في الوقت ذاته غير مقتنعين داخلياً بما يقولون!

ويقولون مالا يفعلون!

وتجد عندهم دائماً التقلب في المواقف!

لكن العقل السليم هو العقل الحر الذي حرره الإسلام من رق العبودية لغير الله، أو رق الشهوات والملذات، فأصبح عبداً خالصاً لله تعالى، فأصبح محصناً بشريعة الله، متدثراً بدثار أخلاق القرآن، فهؤلاء هم أولوا الألباب الذين خلصت عقولهم عن الأوهام والوساوس، ولكن حاد عن هذا الطريق الفلاسفة الذين أخذوا علوم الفلسفة اليونانية وتحديداً نظرية العقل الأول، والعقل الفعال، يقول أرسطو من هذا العقل فاض العالم علويه وسفليه؟

وهذا كفر بالله وجحود للخالق فجاءت مؤلفات (إخوان الصفا) وجاء ابن عربي وابن سبعين الذين غلوا في العقل وأطلقوا له العنان ليخوضوا في علوم الغيب فضلوا وأضلوا.

ختاماً، نتمنى أن يكون ضرس العقل سليماً في الجسم السليم، وخاصة في هذه المرحله التي تشهد بها البلاد إعادة هيكلة لأجهزتها، ونحب إعادة هيكلة عقولنا وتحريرها من الماضي حتى يستقيم تفكيرنا وندرك مصالحنا، لا يسيرنا من الخارج أحد.

قال أبو الشيخ الداراني:

(إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله عليّ فيه نعمة ولي فيه عبرة)

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي