pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

البيان الوزاري يُقرّ اليوم والثقة النيابية مطلع الأسبوع

الحكومة اللبنانية... «فترة سماح» دولية و«حَذَر» داخلي

ميقاتي مترئساً اجتماع اللجنة الحكومية المكلفة صياغة البيان الوزاري
ميقاتي مترئساً اجتماع اللجنة الحكومية المكلفة صياغة البيان الوزاري

- دياب «لم يهرب من العدالة» في جريمة المرفأ «سأعود من الولايات المتحدة خلال أسابيع»... وهل تتدحْرج سياسياً مذكرة إحضاره؟
- بعد «ضفدعة» وزير الاقتصاد... «طائر الإينكا» يحطّ في تسلُّم وزير العمل مهماته واللبنانيون يرشقون «حكومة كليلة ودمنة»
- مسودة البيان الوزاري: معاودة المفاوضات مع الدائنين للاتفاق على آلية لإعادة هيكلة الدَين العام وخطة لتصحيح وضع القطاع المصرفي

تطوي الحكومة الجديدة في لبنان غداً أسبوعها الأول بعد أن تكون أنجزت اليوم بيانها الوزاري وأقرّتْه في جلسةٍ تفتح الطريق أمام إحالته على البرلمان ونيْل الثقة بموجبه على الأرجح مطلع الأسبوع المقبل.

ويأتي ترتيب حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ملفاتها وأوراقها وأولوياتها التي فرَضَها عصْفُ الأزمة الشاملة التي تضرب لبنان، على وقع مناخاتٍ متقاطعة أشبه بـ«إعطاء فرصةٍ» لصيغةٍ حكومية بدا أنها وُلدت على قاعدة «الشيطان الذي تعرفه (المنظومة السياسية ومحاصصاتها) أفضل من الشيطان الذي لا تعرفه (الارتطام المميت وتشظياته بامتداداتها الاقليمية)».

وعبّر عن هذه المناخات:

*«فترة سماحٍ» دولية للحكومة الوليدة، استندت إلى «النأي بالنفس» عن الأبعاد السياسية الاقليمية للأزمة اللبنانية وجعْل الاستقرار أولوية حتى على الإصلاحات الجوهرية التي كان يتعيّن أن تبدأ بعدم«استنساخ»تجارب التشكيلات التي عطّلت نفسها بنفسها من خلال«تقاسُم الجبنة»، وذلك على قاعدة«واقعية مفرطة» تمدّدت إلى العواصم الكبرى على متن لعبة «عضّ أصابع» في أكثر من ساحةٍ وقوامها أن «أي حكومة أفضل من لا حكومة» وترْك بداية التغيير الفعلي لصناديق اقتراع الانتخابات النيابية (مايو 2022).

وتجلى «السماح» الدولي في غالبية المواقف المرحّبة بإنهاء المأزق الحكومي والداعية لبدء وضْع الإصلاحات على السكة تمهيداً للحصول على دعم مالي عبر «منصة» اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وصولاً إلى ما نُقل (قناة «الحدث») عن مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي جوزيب بوريل لجهة تعليق نظام العقوبات على «بلاد الأرز» بعد تشكيل الحكومة «وسنزيد المساعدات ونسهل مفاوضات لبنان مع صندوق النقد وليس انتهاءً بإبداء وكالة «موديز» تعويلها على الحكومة الجديدة باعتبارها «خطوة أولى نحو إصلاحات طال تأجيلها، وإعادة هكيلة الدَين العام».

* حَذَرٌ سياسي داخلي في مقاربة التشكيلة، وسط مقولة شهيرة تتردّد في الكواليس بإزاء هذه الحكومة وهي«من الجنون تكرار فعل الشيء نفسه مرات عدة وتوقُّع نتائج مختلفة»، وسط مَلامح إحباط مكتوم، حتى بين أطراف وفّروا غطاء لتشكيلة الـ 24 وزيراً من غير الحزبيين ولكن الموزّعين وفق «كوتا» سياسية - حزبية صريحة، من دورانِ المشهد الحكومي دورته رجوعاً لَما قبل انتفاضة 17 اكتوبر 2019 بوجه «المنظومة» وأدائها الذي أوقع البلاد بالفساد التقني كما السياسي في الحفرة التي لا قعر لها، فإذ بها تعاود تنظيم صفوفها وتتصدّر «جبهة الإنقاذ».

* شبه «لا مبالاة» شعبية بفعل «الإنهاك» الكبير الذي أصاب اللبنانيين منذ تَدحْرج «كرة النار» المالية التي أحرقت كل «مظلات الأمان» المعيشية وزجّتْهم في ما يشبه «المحرقة» التي تلتهمهم أحياء، ليتحوّل الحصول على أساسيات الحياة اليومية، من رغيف ودواء وكهرباء ومحروقات وسرير ومستشفى وماء، أولوية الأولويات.

ورغم هذه العناصر التي تساعد الحكومة على الاستفادة من «وقت مستقطع»داخلي وخارجي لمحاولة التقاط«حبل النجاة»، فإن أجواء تشكيك كبيرة بقيت ماثلة حيال «متى» ستطفو التناقضات التي «تتعايش» تحت سقف مجلس الوزراء وتعاود وصْل «خطوط الاشتباك» القديمة حيال ملفات«معلَّقة»منذ حكومتيْ الرئيس سعد الحريري في عهد الرئيس ميشال عون كما حكومة الرئيس حسان دياب الأخيرة وبينها الكهرباء سواء في ما خص الهيئة الناظمة وترسيم حدود الصلاحيات بينها وبين وزير الطاقة، أو لجهة الصراع المزمن على المعامل وأبرزها «سلعاتا» (ومحطة الغاز هناك) الذي تحوّل هدَفاً رئيسياً لـ«التيار الوطني الحر» (برئاسة النائب جبران باسيل) من ضمن منطق أقرب إلى «فيديرالية كهربائية» (مع دير عمار والزهراني)، وصولاً إلى مسألة تحديد الخسائر المالية في الخطة التي سيفاوض على أساسها لبنان صندوق النقد على حزمة إنقاذ وهل تشمل إعادة هيكلة القطاع المصرفي أو إصلاحه وتالياً كيفية توزيع خسائر الفجوة المالية.

وبعدما لاحت بوادر أخْذ وردّ حيال هذه العناوين في مداولات لجنة صوغ البيان الوزاري، بدا أن أحداً ليس في وارد تحمُّل وزر زرع لغم مبكّر في طريق انطلاقة الحكومة فجاء إنهاء وضْع البيان أمس على قاعدة وضوح في العناوين السياسية الكبرى التي لا خلاف عليها مثل تأكيد الالتزام بالقرارات الدولية، واستخراج النفط والغاز وحق العودة للاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين الى أرضهم والتشديد على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، واعتماد الصيغة نفسها في بند المقاومة التي وردت في بيانات الحكومات السابقة (في عهد عون) وهي «تؤكّد الحكومة واجب الدولة وسعيها لتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر، وذلك بشتّى الوسائل المشروعة. مع التّأكيد على الحق للمواطنات وللمواطنين اللبنانيين في المقاومة للاحتلال الإسرائيلي ورد اعتداءاته واسترجاع الأراضي المحتلة».

وإذ عُلم أن مسودة البيان الوزاري تضمنت «تثمين المبادرة الفرنسية والالتزام ببنودها كافة» و«معاودة المفاوضات مع الدائنين للاتفاق على آلية لإعادة هيكلة الدين العام بما يخدم مصلحة لبنان»، مع الدعوة إلى «استئناف التفاوض مع صندوق النقد للوصول إلى اتفاق على خطة دعم من الصندوق تعتمد برنامجاً انقاذياً قصيراً ومتوسط الأمد»، فإن البند الذي نص على أنه سيتم وضع خطة «لتصحيح وضع القطاع المصرفي» بدا بمثابة حل وسط بين فريق عون الذي يحبّذ إعادة الهيكلة وميقاتي الذي يفضّل إعادة الإصلاح، في ظل ترقُّب هل ستكون هذه النقطة محل أخذ وردّ في جلسة إقرار البيان اليوم أم لا.

وتزامن إنجاز النقطة الأولى من «دفتر مهمات» الحكومة مع استمرار عمليات التسليم والتسلم التي مضى معها الوزراء الجدد باستعارة «قصص» وإسقاطها على الواقع اللبناني، وكان آخرهم أمس، وزير العمل مصطفى بيرم الذي طغت روايته على «الضفدعة الصماء» لوزير الاقتصاد أمين سلام، وفيها استحضر حضارة الإنكا في البيرو و«عصفور أمل» أصرّ على محاولة إخماد حريق كبير في غابةٍ بقطرات مياه حملها بمنقاره قبل أن تعينه غيوم رمادية تلبّدت في السماء وراحت «تبكي (تمطر) تأثُّراً بإخلاصه».

وفيما كان اللبنانيون يقابلون «حِكَم» الوزراء الجدد بإطلاق توصيفات على الحكومة منها «حكومة الضفادع» و«حكومة العصافير» و«كليلة ودمنة» بعد«حكومة الحفاضات»، لم تحجب هذه العناوين ملف التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت الذي تضمّنت مسودة البيان الوزاري فقرة عنه أكدت التمسك «بكشف الحقيقة ومعاقبة المسؤولين عنه».

وفي هذا الإطار، اتجهتْ الأنظار إلى تداعيات مذكرة الإحضار الجديدة التي أصدرها المحقق العدلي في الجريمة القاضي طارق البيطار، بحق رئيس الحكومة السابق حسان دياب بعد خمسة أيام من تركه منصبه طالباً تنفيذها «وإحضاره قبل 24 ساعة من موعد جلسة استجوابه كمدعى عليه في 20 الجاري»، وسط تقارير عن أنّ المذكرة الجديدة ترتكز إلى مضمون المذكرة السابقة نفسه، لكن مع تبديل صفة دياب إلى رئيس حكومة سابق وتعديل مكان إقامته من السرايا إلى منزله في «تلة الخياط».

وسرعان ما أثار هذا التطور علامات استفهام حيال ارتداداته السياسية بعدما كان دياب، المدعى عليه مع نواب ووزراء سابقين وقادة أجهزة أمنية بجرم «الإهمال والتقصير الجنائي والتسبّب في وفاة وإيذاء مئات الأشخاص»، رَفَضَ المثول أمام البيطار موجهاً كتاباً اعتبر فيه أن «المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء هو المرجع الصالح ولا صلاحية للقضاء في هذا المجال»، فردّ البيطار بمذكرة الإحضار الأولى والتي كررها معدَّلة.

وقوبلت المذكرة حينها (أواخر اغسطس) بهجوم كاسح من رؤساء الحكومة السابقين وبينهم ميقاتي، إذ اعتبروا أن «ورقة الإحضار» تنم «عن إجراء غير بريء لينال من موقع رئاسة الحكومة»، مذكرين بأن «عون اعترف شخصياً بأنه علم بوجود الأمونيوم في عنابر مرفأ بيروت قبل خمسة عشر يوماً من تاريخ التفجير المريب (...)»، واضعين خطوة البيطار في خانة متقاطعة «مع محاولات لم تتوقف للانقلاب على الطائف، وهذه الإهانة العلنية لرئاسة الحكومة إعلان مفضوح عن إدارة ملف التحقيق العدلي من أروقة قصر بعبدا».

وما زاد من «الإثارة» في هذا الملف، الكشف عن أن دياب غادر بيروت إلى الولايات المتحدة عبر الأراضي التركية هروباً من إحضاره أمام المحقق العدلي. إلا أن رئيس الحكومة السابق عاد وأكد أنه توجه الى الولايات المتحدة «لرؤية ولديه حيث ‏يتابعان دراسة الطب في جامعتين أميركيتين، وهو في شوق إليهما»، موضحاً من داخل الطائرة التي أقلّتْه أنه يغادر مطار ‏إسطنبول«على أن يبقى خارج ‏البلاد لنحو أربعة أسابيع كي يتمكّن من رؤية ولديه الموجودين في ‏ولايتين أميركيتين مختلفتين»، واعداً بالعودة بعدها إلى لبنان.‏

ومن هنا يسود تَرقُّب لردّ فعل القاضي البيطار على هذا التطور وهل يمكن أن يذهب أبعد بحال امتنع دياب عن الحضور من دون تقديم دفوع شكلية وهل يندفع مثلاً لإصدار مذكرة توقيف غيابية.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي