pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رأي قلمي

في كل سبتمبر...!

تلقينا تربية ومررنا بخبرات متنوعة، وهضمنا كثيراً من المعارف وهي مَنْ عملت على صياغة كل واحد منا صياغة خاصة، لنكون في النهاية أشخاصاً فريدين ومتميزين، تخرّجنا في مدرسة أم وأب عظيمين، تعجز الأحرف والكلمات عن وصف محاسنهم وفضائلهم، نسخهم لم ولن تتكرر، تركوا لنا مساحة خوض تجارب الحياة واكتساب الخبرات، حيث كان لكل واحد منا مزاجه الخاص وميوله وطرق تفكيره وأسلوبه في رؤية الأشياء، كما أن لنا أمنياتنا وتطلعاتنا وحساسياتنا الخاصة نحو ما يؤلمنا ويزعجنا، وظهر كل هذا في سلوكنا وفي علاقاتنا مع الناس، وفي طريقة تناولنا لشأننا، وهذا يشكّل في الحقيقة معظم ملامح شخصيتنا.

تركوا لنا حرية التعبير عن هذه الشخصية، بما نعتمده من مصطلحات وتعريفات في التعامل مع الأشياء إلى جانب الطرق والأساليب التي نفكر من خلالها، وقوة مشاعرنا تجاه هذه الأشياء، حيث إن الأفكار والمعتقدات هي السبيل لتوليد المشاعر، فإن المشاعر والعواطف تملك قدرة كبيرة على توجيه العقل وجعله ينتج الأفكار التي تنسجم معها، أو تسوغها أو توفّر تغطية ثقافية لها. تربينا على الإحساس بالكرامة الشخصية، وتكوين المغزى الشخصي الخاص، أي بلورة ما تعنيه القيم والمبادئ والأحداث بالنسبة لنا.

رسّخوا في عقولنا أننا نحن أحد مخلوقات الله - عزوجل - كما أن حياتنا ومصيرنا في يده - سبحانه - فهو المتصرف في هذا الكون، وعلينا عبادته وطاعته والعيش على النحو الذي يرضاه لنا، وفائدة ترسيخ هذا المفهوم جعلنا نشعر بالعبودية والضعف أمام الخالق - سبحانه - ونطلب منه المعونة والهداية والتوفيق، وعندما تمثلنا هذه الحقيقة أصبحنا أقرب إلى الواقعية، نحن نعرف أن المحدود لا يستطيع أن يتفادى ويتجنب كل الأشياء المكروهة والمرفوضة، ولهذا حين نخفق لا نيأس ولا نقنط، وحين نجتهد قد نصيب وقد نخطئ.

كانوا قريبين منّا ومتواصلين معنا، وإذا وقعنا في أخطاء كبيرة على غفلة منا، لا يشعروننا باللوم بل نشعر بأننا أخطأنا وأساءنا وهذا من الطبيعة البشرية، وغالباً نجلس معاً لنفكر في إيجاد حل للخطأ أو الخطيئة التي وجدنا أنفسنا فيها، وكنا نفكر أيضاً في استخلاص العبرة من ذلك الخطأ أو تلك الخطيئة، بل يضعون أمامنا كثيراً من الإجراءات والاحتياطات التي تجعلنا لا نكرر نفس الخطأ، ومبدأ المراجعة للخطيئة والتراجع عن الأخطاء من المبادئ الإسلامية والحضارية العظيمة، طبقوه في المجال التربوي عندما كنا في سن الغرس والتربية، ونحن طبّقناه في كل مجالات حياتنا.

فعلوا هذا وأكثر، لا نستطيع حصر مناقبهم وأفعالهم الحسنة، اهتموا وراعوا ووجّهوا وأرشدوا وتابعوا إلى أن توفاهم الله، اللهم جازهم عنا خير الجزاء، مهما قلنا أو فعلنا لا نستطيع ردّ جميلهم وفضلهم علينا.

فقدت أمي في سبتمبر (2005) وفقدت أبي في سبتمبر (2010) ومازال القلب يتحسّر ويتفطر ويقطر دماً على فراقهما، وكأني فقدتهما قبل خمس أو عشر ساعات، أسأل الله الصبر على العيش في دنيا خالية من صوتهما وظلهما الذي كان يظلني كلما قست عليّ الحياة بظروفها ومواقفها ومتاعبها، اللهم بلغهما مني السلام وأدخلهما الجنة بسلام. M.alwohaib@gmail.com @mona_alwohaib

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي