pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

قيم ومبادئ

أرذل العمر والعمل؟

‏الحياة مساحة واسعة للجميع وفيها مراحل يمر بها الإنسان، وكذلك الأمم والحضارات والجماعات بعضها صافٍ والآخر ‏عكر، ‏والحلوة منها فترة الصبا ‏ثم أحلاها يأتي ربيع العمر ثم يتلوه خريف العمر وأخيراً أرذل العمر ‏فهو اردؤه ‏و‏أسوؤه... ‏والعمر من جهة انه زمن لا ينسب إليه انه أحسن او أرذل ‏وإنما ينسب إلى الإنسان صاحب العمر والمحظور شرعاً بلوغ الإنسان الهرم واختلاط الشعر الأبيض بالاسود وتساقط القوى فتجده يتنهّد بأي نشاط وحركة !

‏وإذا زاد عليه ‏سوء العمل اصبح في ظلمات بعضها فوق بعض مثل «الاشيمط الزاني»‏ ‏ولكنه مع ذلك ‏لا يترك الزنا!! ‏ما يدل ‏على خبث ارادته ‏وسوء خلقه!

وهذه الصيرورة ‏إلى أرذل العمر تشمل جميع البشر والدول في الغالب، فتجد مثلاً هذا الطبيب أو الخبير الدستوري أو الناشط السياسي إذا تقدم به السن يفقد علمه الذي تعلمه ‏كما ‏لا يقدر أن يتعلم شيئاً.

‏والحكمة في رد الإنسان إلى أرذل العمر إثبات وحدانية الله تعالى وكمال التصرف في حياة الإنسان فهو الذي خلقه من عدم ثم نقّله ‏اطواراً حالاً بعد حال فتبدأ بضعف ثم قوة ثم ضعف...

وارذل العمر اسوؤه، ‏وأن يكون الإنسان عالة على أهله وغيرهم ولهذا تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم منه في (آخر صلواته)...

ومن شب على شيء شاب عليه ومن شاب على شيء مات وبُعِثَ عليه يوم القيامة.

‏وإذا اعتاد الإنسان عمل الخير‏ ‏‏بأداء الواجبات وحافظ على الرواتب وكمّلها بالسُنن ‏ونشأ في عبادة الله، أتاه الله نفس الأجر إذا سافر أو ساءت صحته وضعفت حالته.

وانظر إلى دقة التعبير الإلهي بقوله عن حال الإنسان في أرذل العمر «لكي لا يعلم بعد علم شيئاً»، ‏فلم يقل «لكي ينسى» ‏ما كان قد تعلمه ! ‏

والفرق بينهما أن الناسي قد يتذكر ولكن مَن يرد إلى أرذل العمر ‏لا سبيل ‏إلى العودة إلى ما كان عليه. ‏وهذا دليل على كمال الله وحده ونقص البشر، فمثلاً علم الله تعالى، لم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان، اما علم الإنسان ‏فيسبقه الجهل ‏ثم يعقبه انتزاع العلم والحرمان؟

وقدرة الله تعالى لم يسبقها عجز ولا يلحقها فتور ولغوب، ‏اما قدرات الإنسان فتبدأ بالضعف فالطفولة في غاية الضعف وعدم القدرة، ثم لا يزال ‏الله يزيد في قدرته شيئاً فشيئاً حتى يبلغ عنفوان الشباب وتكامل قواه الظاهرة والباطنة ‏ثم يبدأ بالتراجع إلى الوراء شيئاً فشيئاً وتبدأ معه رحلة العودة إلى الضعف والشيبة والهرم.

ومن حكمة الله أن يرى العبد ‏ضعفه ‏وأن قوته محفوفة بضعفين ولو استمرت قوته في الزيادة لطغى وبغى وعتا في الأرض ليفسد فيها، وهذا عين ما نشاهده اليوم في الحضارة الغربية التي بلغت مرحلة ارذل العمر وما زالوا مندفعين بشدّة نحو خبراتهم العلمية المنفلتة اصلاً من القيم والأخلاق، فأصبحنا نشهد عمليات تغيير الجنس... ‏الذكر يتحول إلى أنثى والعكس. وكذلك التلاعب بالجينات، ولا ندري إلى أين سيقودنا التلاعب بالجينات. وما تم تحقيقه من ثورات معاصرة بيولوجية وفي عالم الإلكترونيات والاتصالات يعادل ما تم إنجازه ‏ايام الثورة الصناعية في مطلع القرن الثامن عشر... وشتان بين ذاك التطور وهذا التطور اليوم ينحدر نحو الانهيار الإنسانى!!!

وما نشاهده اليوم من «تحور كورونا» يعتبر أخطر من التلاعب بالأسلحة الكيميائية، وذلك لأن الذرة الحية تتحرك وتتكاثر وتنتشر بسرعة وتتداخل كما تتلاقح وتختلط بكائنات حية أخرى ‏فتتولد أنواع أخرى من الأمراض ناتجة عن هذا الاختلاط. كما أن التلوث الجيني تلوث نهائي لا رجعة فيه ولا يمكن محاصرته. ولهذا قرر فرنسوا جاكوب، الحاصل على جائزة نوبل، ‏هذه ‏الحقيقة التي نشهدها اليوم في الحضارة المعاصرة، حيث يقول «ولا شيء يمنع أن نطبق من الآن على الكائنات البشرية طرق الاصطفاء المستخدمة في المخابر على الفئران والابقار». ولكن الله لهم بالمرصاد ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

الخلاصة

هناك قانون الهي يحكم الطبيعة والكون ككل، ولن يستطيع احد مهما بلغ في العلم والقوة ان يبدل هذا القانون بقانون آخر. وفي الحديث القدسي «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم...».

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي