pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رؤية ورأي

يُعايرني بما يُشرّفني

وصلني قبل أيّام مقطع فيديو مُعنون «يُعايرني بما يُشرّفني»، يرد من خلاله أحد النوّاب على الذين وصموه بـ«الشعبويّة»، قائلاً إن «الشعبيّة والانحياز للمواطنين شيء يُشرّف الإنسان ولا يَنتقصه، بل يزيده ويسعده، وهو المبدأ الذي عاهد الناس عليه، ويلتزم فيه دائماً».

لا أعلم إن كان النائب، أميناً في طرح مفهومه للشعبويّة، أم أنه يهيّئ ناخبيه والمجتمع لتقبّل مواقفه البرلمانية التي ينوي تبنّيها في أدوار الانعقاد المقبلة، أم أن الواقع خلاف كل ما سبق! ولكنّني - من جهة أخرى - مُتيقّن من خطورة تزييف مفهوم الشعبوية، وتحويلها من «صفة فاسدة معيبة» إلى «حميدة مشرّفة».

صحيح أن الشعبوية تتضمّن تبنّي مطالب الشعب - وهذه حالة إيجابية - ولكن هذا التبنّي لا يُعتبر شعبويّاً إلا إذا كان انحيازاً على حساب المصلحة العامة، كالإضرار بمستقبل الوطن ومصير الأجيال المقبلة.

فعلى سبيل المثال، المطالبة بتوفير فرص لخريجي التعليم العام لاستكمال تعليمهم في مؤسسات التعليم العالي، ليست مطالبة شعبوية إلا إذا كانت مقترنة بمفسدة عامة من قبيل تجاهل استمرار قبول الطلبة وتضخم أعدادهم في تخصصات غير مرغوبة في سوق العمل.

كما هو الواقع بالنسبة لأعداد الطلبة المقبولين في جامعة الكويت للسنة الدراسية 2021 /2022.

ومن الصور الأخرى للشعبوية في مجال التعليم العالي، الانشغال بعدد من الملفّات الشعبيّة عن الملفات الأكاديمية الاستراتيجية، كملف جودة التعليم العالي.

فعلى سبيل المثال، تناقلت الصحف المحلية قبل شهر، مناقشة لجنة شؤون التعليم والثقافة والإرشاد، سبل تطوير مؤسسات التعليم العالي ورفع كفاءتها من الناحيتين الأكاديمية والإدارية، إلى جانب ستة اقتراحات بقوانين في شأن تعديل القانون الخاص بمكافآت الطلبة بالجامعات والكليات الجامعية ومعاهد التعليم العالي.

وبالنسبة لملف زيادة مكافآت الطلبة، بادرت اللجنة - بعد أن أبلغتها وزارة المالية رفض المقترحات التي أقرتّها اللجنة في شأن زيادة المكافأة الطلابية - بالطلب من الإدارة الجامعية، عمل دراسة وتزويدها بالشرائح المطلوب زيادة مكافآتها المالية حتى يتسنى للجنة تطوير القانون، فيما لو قامت الحكومة برد القانون في حال صدوره من المجلس.

وهذه المبادرة تُسجّل لمصلحة اللجنة من حيث كونها خطوة استباقية بأهداف قابلة للتحقيق وبمنهجية تفاوضية عالية المرونة.

ولكن في الملف الثاني، الخاص بسبل تطوير مؤسسات التعليم العالي، أداء اللجنة كان ولا يزال متواضعاً، بل متخاذلاً، وفق رأي الأكاديميين المهتمين بجودة التعليم.

سأكتفي في هذا المقال، بالإشارة إلى موقف اللجنة تجاه الجهاز الوطني للاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم. فعوضا عن العشوائيّة والموسميّة في تعاطي اللجنة مع محاور تطوير مؤسسات التعليم العالي، يفترض أن تركز اللجنة - في المرحلة الحالية - على إنعاش الجهاز، وتمكينه من أداء اختصاصاته الواردة في المادة (4) من مرسوم إنشائه.

أبرز أولويتين لإنعاش الجهاز هما: تحرير مجلس إدارته من ارتباطات الوزير الإدارية والسياسية، ومساعدته في اختراق حصن الجامعات الخاصة لتمكينه من ممارسة اختصاصاته تجاهها.

الأولوية الأولى تتطلب تعديل نص المادة (5) من مرسوم إنشائه، بحيث يُمكّن مجلس إدارة الجهاز من الاجتماع ولو غاب عنه رئيسه وزير التعليم العالي، إما بجعل مدير الجهاز نائباً للرئيس أو بجعله الرئيس عوضاً عن الوزير.

تجدر الإشارة إلى أن النائب السابق الشطي قدم اقتراحاً بهذا الشأن في المجلس السابق.

وأما الأولوية الثانية فتستوجب تنفيذ توصية إدارة الفتوى والتشريع المؤرّخة 4 مارس 2015، بتعديل مواد اللائحة التنفيذية لمجلس الجامعات الخاصة للنأي به عمّا يختص به الجهاز، وتحديدا مسؤولية الاعتماد الأكاديمي والمؤسسي للجامعات الخاصة.

لكن الشعبوية تمنع اللجنة التعليمية من تبني تلكما الأولويتين.

ولذلك الشعبويّة لا تُشرّف صاحبها بل تُدينه، لأنها مجرّد تكتيك انتخابي وليست منهجاً إصلاحياً.

فرغم نتائجها الكاسحة في صناديق الانتخاب، أعراضها الكساح في قاعات المجلس... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».

abdnakhi@yahoo.com

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي