pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رؤية ورأي

الحسينيّات بين السعدون و«البدون»

للحسينيات منذ القدم مكانة خاصة في النظام السياسي الكويتي، منذ أن كانت مجالس العزاء الحسيني مقتصرة على البيوت و«الفرجان»، قبل إنشاء الحسينيات الرسمية التي تأسست الأولى منها عام 1856.

ولكن، رغم هذه المكانة المتأصلة للحسينيات في تاريخ الكويت، إلا أن الحكومات المتعاقبة تهرّبت وما زالت تتهرّب عن إصدار قرارات رسمية تلزم وزاراتها ومؤسساتها بواجبها الدستوري، المنصوص عليه في المادة (35) من الدستور التي جاء فيها: «تحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان طبقاً للعادات المرعية».

فرغم تقديرنا للجهود الطيبة التي بذلتها وما زالت تبذلها الجهات الحكومية تجاه الشعائر والمرافق الحسينية، إلا أن الحوائل والحواجز الحكومية التي تعوق وتعرقل الأنشطة والفعاليات الحسينية ما زالت تظهر بشكل متكرّر، سنة بعد سنة، وإن كانت بدرجات متفاوتة حسب حالة شبكة علاقات الحكومة بالتكتلات البرلمانية.

لا شك أن هذا الابتزاز، أو على أقل تقدير الاستغلال الحكومي لحرص شريحة واسعة من المواطنين على ممارسة حقهم الدستوري بالمشاركة في عزاء سبط وآل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سلوك حكومي فاسد يجب التصدّي له وتقويمه.

ولكنّ المراقبين للمشهد السياسي يستبعدون أن يُعد ويُشكّل أي مشروع حقيقي في المستقبل المنظور لمكافحة هذا النهج الحكومي الفاسد، وذلك بسبب وجود خلل جوهري في الثقافة السياسية المجتمعية تجاه هذا المظهر غير الدستوري.

فعلى سبيل المثال، غالبية التعقيبات والتعليقات في وسائل التواصل الاجتماعي في شأن هذا المظهر موجهة بالدرجة الأولى ضد النوّاب الذين أعلنوا عن تفاهمات موقّتة مع جهات حكومية فيما يخص شؤون مجالس العزاء، وضد الحكومة ولكن بدرجة مخفّفة، فضلاً عن كونها خالية من الإشارة إلى النوّاب المخضرمين الذين تقاعسوا وتهرّبوا عن معالجة هذا الملف على مدى سنين طويلة.

تعزيز الحريات الدينية واجب دستوري على جميع النوّاب، ومن حقهم توثيق دورهم في هذا الملف كما في الملفّات الأخرى.

ولكن المبالغة في توظيفه انتخابيّاً من قبل كوادرهم والتطرّف في التصدّي له من قبل كوادر النوّاب المنافسين حالتان مرفوضتان، لأن عواقبهما سلبية على مساحة الحريّات.

تعليقات كوادر بعض النوّاب المنافسين كانت متمحورة حول إدانة التفاهمات التي أعلن عنها عدد من النوّاب المبادرين، بذريعة أنها نظير تنازلات قدّمها المبادرون للحكومة في ملفات أخرى أَولى وأهم، حسب تصنيف المنافسين.

وهذا الربط القسري من قبل كوادر المنافسين بين مواقف المبادرين في ملف الحرّيات الدينية وبين مواقفهم في ملفّات أخرى، المقترن بتستّر الكوادر على تقصير نوّابهم أمام فساد الحكومة في ملف الحريّات الدينية، وراءه عقيدة سياسية غير دستورية، تُجيز بل توجب السكوت عن قمع الحريّات الدينية من قبل الحكومة وغير الجهات الحكومية، طمعاً في مكاسب بملفات أخرى.

استمرار الضغوط النيابية على الحكومة من أجل تعزيز وترسيخ الحريات الدينية أمر في غاية الأهمية، لأن في المقابل تتعرّض الحكومة لضغوط مستمرة - نيابية وغير نيابية - للتضييق على تلك الحريّات.

لذلك، عوضاً عن التحريض ضد النوّاب الذين شاركوا في تعزيز الحريّات الدينية بصورة موقّته، علينا أن نحض ونحث النوّاب المتقاعسين عن هذا الملف «بالذود عن حريّات الشعب» براً بقسمهم الدستوري.

لا نطالبهم باستجواب رئيس الحكومة إذا تأخر وصول خطباء المنابر الحسينية، مثلما هددوا باستجوابه بحجة انتقائية تطبيق وزارة الداخلية القانون على الرئيس الأسبق لمجلس الأمة أحمد السعدون على خلفيّة حضور تجمّع غير مستوفي الاشتراطات الوقائية. ولا نتمنى أن يدفنوا ملف الحسينيات المزمن في لجنة برلمانية موقتة كما فعلوا مع قضية «البدون» الأزليّة.

المطلوب هو الجلوس مع أهل الاختصاص بشؤون الحسينيات من أمثال الحاج باقر أسد لصياغة وتبني عدد من مقترحات بقوانين ومقترحات برغبات تعالج بشكل جذري أزمة الحسينيات السنوية... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».

abdnakhi@yahoo.com

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي