pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

ما في خاطري

الاحتراق الذاتي

فسّر علماء النفس الأسباب التي تؤدي إلى إلحاق الإنسان الضرر بنفسه، ومنها الرغبة للفت انتباه الآخرين للمشكلة أو الرغبة في إثبات شيء ما، وكلها أسباب يعتقد فيها المُتضرر أنه قد وصل إلى مبتغاه عن طريق كسب تعاطف الآخرين وتأييدهم، فيكرر هذا السلوك حتى لو حقق له أضراراً نفسية أو جسدية، ليكتشف في النهاية أنه لم يصل إلى نتيجة وان كل هذه الأضرار لم تكن مستحقة.

هذا السلوك نمارسه كثيراً في حياتنا، وأسميه (الاحتراق الذاتي)، فنقوم ببعض التضحيات وبعض المجهودات المُبالغ فيها، رغبة منا في كسب محبة وتعاطف الآخرين، فتجد مثلاً بعض الموظفين «يحترق» من أجل المكان الذي ينتمي إليه، فيضرب صحته وأولوياته الأخرى عرض الحائط، رغبة منه في إيجاد التقدير المناسب، ولكن ينصدم في النهاية بالخذلان وعدم التقدير، فيندم على سلوكه الذي كلّفه صحته وعافيته، والبعض الآخر يمارس هذا السلوك في علاقاته مع الآخرين، فيكون مندفعاً ومتحمساً لكسب ودهم في أقصر مدة ممكنة، وفي النهاية تنتهي هذه العلاقة بالخذلان، ونتيجة لهذا السلوك تجد البعض قد يصاب ببعض الأمراض النفسية والجسدية، وإذا أصيب هذا الشخص بألم جسدي فلن يجد أحداً يشاركه ألم هذا المرض حتى أقرب الناس إليه، وإذا أصيب بمشكلة نفسية، فلن يجد أحداً يدخل في عقله ليخلصهُ منها، ففي النهاية سيواجه هذه الأضرار لوحده.

فان كنت يا عزيزي القارئ ممن يشعر بالضرر النفسي والجسدي بسبب بعض السلوكيات والأفعال تجاه الآخرين، فاعلم أنك قد مارست (الاحتراق الذاتي)، الذي لا مخرج منه إلا بالتدارك والوعي، فراجع سلوكياتك وأفعالك، لتكون في مصلحة راحتك النفسية والجسدية.

وهذا السلوك ليس سلبياً في كل الأوقات، بل يعتبر محموداً، عندما يكون مرتبطاً بعلاقتنا مع رب العالمين، فيفني الإنسان حياته طلباً لإرضاء الله للوصول إلى الفردوس الأعلى، والوطن الذي نعيش فيه، يستحق أرواحنا وهذا ما جسدهُ أبطالنا في الأزمات، وكذلك في علاقاتنا مع والدينا فهما يستحقان كل التضحيات لأنهما السبب الرئيس لوجودنا في هذه الحياة.

وأخيراً أنا لا أدعو إلى التهاون والتقاعس أو التكاسل، فالاجتهاد والسعي والتضحيات سلوكيات محمودة، يجب أن تكون حاضرة في كل جوانب حياتنا لتحقيق أهدافنا، ولكن هناك حدود يجب ألا نتعداها وألا نضيّع أولياتنا بسببها وإلا نعطي الأشياء أكبر من حقها، لننعم بحياة مريحة بعيدة عن الأضرار النفسية والجسدية.

Twitter: @Alessa_815

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي