pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

دراسة بحثية مصرية جديدة تفرز نتائج تُتيح فهماً أفضل لتأثيرات التبغ الضارة

التدخين... يُدمّر توازن بكتيريا الفم

No Image

يستوطن فمك جيش مؤلف ما يزيد على 600 نوع من البكتيريا، وهو ثاني أكثر تجمع بكتيري تعقيداً في جسم الإنسان بعد القولون. وبينما يؤدي عدد كبير من أنواع ذلك الجيش البكتيري وظائف نافعة، فإن حدوث ما يُعرف بـ «اضطراب توازن الجراثيم الفموية» يؤدي إلى مشاكل من بينها التهاب اللثة وتسوُّس الأسنان، فضلاً عن أمراض الرئة والجهاز الهضمي والجهاز القلبي الوعائي.

ومن الثابت بحثياً أن التدخين عموماً يقلّص أنواع البكتيريا الفموية المفيدة ويفسح المجال لتكاثر الأنواع المسببة للأمراض، لكن كان من غير المعروف ما إذا كان ذلك يعود إلى وجود سموم معينة ضمن مكونات دخان السجائر، أم أنه يحدث بسبب استيطان أنواع معينة من البكتيريا للفم بسبب التدخين؟ باحثون مصريون من جامعتي القاهرة و6 أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب أجروا دراسةً لاستكشاف طبيعة وتأثيرات التدخين على تكاثر ووظائف ثلاثة أنواع من البكتيريا التي تعيش في الفم، ونشرت نتائج دراستهم في العدد الراهن من دورية «فرونتيرز إن ميكروبيولوجي» (Frontiers in Microbiology) العلمية.

نسلّط الضوء في التالي على أبرز جوانب ونتائج تلك الدراسة...

هذه الدراسة كانت محور رسالة الماجستير الخاصة بالباحثة المصرية همس موسى في كلية الصيدلة بجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب، وأشرفت عليها الدكتورة نورتان عبدالتواب الأستاذ المساعد لعلم الميكروبيولوجي والمناعة بكلية الصيدلة بجامعة القاهرة، بالتعاون مع الأستاذة الدكتورة سلوى مجاهد والدكتورة ريهام وصفي من قسم الميكروبيولوجي بالكلية ذاتها.

استهدف فريق الباحثين تقييم تأثيرات اختلال توازن البكتيريا الفموية الناجم عن التدخين على تكاثر 3 أنواع من بكتيريا الفم، وتلك الأنواع هي: البكتيريا العقدية المتحورة (Streptococcus mutans)، وبكتيريا الفيلونيلا (Veillonella spp)، والبكتيريا العصوية اللبنية (Lactobacillus spp)، وهي الأنواع التي تشكل 33 في المئة من إجمالي الميكروبات الفموية. ورصدت الدراسة تأثير مادة الأنثراسين (Anthracene) على تلك الأنواع الثلاثة، وإمكانية تحلُّلها وقابليتها للحياة، سواء في البيئات الفردية أو المختلطة.

ومادة «الأنثراسين» عبارة عن هيدروكربونات عطرية متعددة الحلقات، وهي من المواد السامة التي توجد في تبغ ودخان السجائر، وتُصنّف من قِبل الوكالة الدولية لأبحاث السرطان على أنها «مسرطن محتمل» لتجويف الفم والبلعوم.

الفم... واختلال التوازن البكتيري

قالت إحدى المشاركات بالدراسة - وهي الباحثة الدكتورة نورتان عبدالتواب، الأستاذ المساعد لعلم الميكروبيولوجي والمناعة بكلية الصيدلة بجامعة القاهرة: «نتائج هذه الدراسة تُعتبر خطوة كبيرة نحو فهم اختلال التوازن البكتيري في الفم نتيجة للتدخين، وذلك سعياً إلى إيجاد فهم أفضل للآثار الضارة للتدخين على صحة المدخن»، مشيرة إلى أن الدراسة كشفت من بين أشياء أخرى عن أن اختلال التوازن البكتيري الفموي الناجم عن التدخين لا يقتصر على التغيرات في تعداد أنواع البكتيريا الفموية، ولكنه يمتد إلى التحلل البيولوجي لمادة الأنثراسين.

وأضافت موضحة: «للتوازن البكتيري في الفم أدوار عدة في الحفاظ على صحة الإنسان، أبرزها أنه يحافظ على معدلات الحمضية والقلوية في لعاب الفم، للوقاية من أمراض الفم والأسنان. ولأن الفم هو البوابة الرئيسية المؤدية إلى المعدة، فإن أي اختلال في التوازن البكتيري للفم يؤثر على عملية الهضم التي تبدأ عبر إنزيمات معينة تُفرز في الفم. كما أن هناك بكتيريا معينة يمكن أن تلتصق بالأسنان وتؤدي إلى تسوسها، وهي البكتيريا العقدية المتحورة (Streptococcus mutans) التي أثبتت دراستنا هذه أنها منتشرةً بصورة أكبر في أفواه المدخنين مقارنةً بغير المدخنين.

وعن الاختلافات بين الدراسات السابقة ونتائج الدراسة الجديدة، قالت الدكتورة عبد التواب إن:«الأبحاث السابقة التي أُجريت في هذه المجال اقتصرت على الملاحظة، وذلك من خلال تحليل المادة الوراثية المستخرجة مباشرةً من عينات مأخوذة من عينات من غسول الفم لأشخاص مدخنين وغير مدخنين، وهو التحليل الذي يكون باستخدام تقنيات التسلسل المتوازي على نطاق واسع للحمض النووي بهدف رصد وقياس الاختلافات الموجودة في أنواع بكتيريا الفم بشكل عام وليس نوع بكتيري بعينه. وهذه الوسائل لا تعطي صورةً مفصلةً عن ميكانيكية هذه التغيرات».

وتابعت موضحة:«في المقابل، دراستنا هي من أوائل الأبحاث التي رصدت تلك التأثيرات بصورة ميكانيكية، وذلك من خلال عزل أنواع البكتيريا الثلاثة المختارة المأخوذة من مدخنين وغير مدخنين، وزراعتها واستنباتها في بيئات مناسبة في المختبر. وهذا الأمر هو من الصعوبة بمكان؛ وذلك لأن بكتيريا الفم من الأنواع اللاهوائية «الكارهة للأوكسجين»، ويصعُب إيجاد بيئة مناسبة لنموها، لكننا كفريق بحثي نجحنا في تحقيقه».

منهجية البحث

أجرى الباحثون دراستهم على 16 شخصاً مُدخناً (يستهلكون من 6 سجائر إلى 60 سيجارة يوميّاً، وكان متوسط سنوات التدخين من عام واحد إلى 15 عاماً)، بالإضافة إلى 14 شخصاً غير مدخن. وتراوحت أعمار المدخنين بين 21 و40 عاماً، وأعمار غير المدخنين بين 25 و30 عاماً.

وبعد أن طُلب من المتقدمين للمشاركة في الدراسة استكمال استبانة حول حالة التدخين ومدته وعدد السجائر التي يتم استهلاكها يوميّاً، تم استبعاد المشاركون الذين تناولوا مضادات حيوية أو عقاقير ستيرويدية خلال أقل من أسبوعين قبل المشاركة في الدراسة، بالإضافة إلى مَن لديهم أعراض سريرية لأمراض اللثة، وأمراض مزمنة، ومَن يُدخنون السجائر الإلكترونية و«النرجيلة» أو أنواع أخرى من التبغ غير السجائر، بالإضافة إلى مَن توقفوا عن التدخين منذ فترة. وبهذا خلص الفريق إلى مشاركة 12 مدخناً و11 غير مدخنين ممن انطبقت عليهم الشروط.

وفي سياق إجراءات الدراسة، أخذ فريق الباحثين عينات من لعاب فم المدخنين وغير المدخنين، وذلك بعد أن طُلب من كل مشارك الامتناع عن الأكل والشرب لمدة ساعة واحدة قبل جمع العينة، وشطف الفم لمدة 60 ثانية بمحلول ملحي معقم 10 مللمترات، وهذه العينات تم نقلها من الفور إلى المعمل لعزل أنواع البكتيريا الثلاثة منها.

بعد عزل الـ3 أنواع من البكتيريا، قام الباحثون بفصلها وتنميتها في بيئات مختبرية مناسبة، وذلك لتحديد تأثير الأنثراسين على إمكانية تحلُّل هذه البكتيريا وقابليتها للحياة، سواء في البيئة الفردية أو المختلطة، بالإضافة إلى رصد نِسب البكتيريا الموجودة لدى المدخنين ومقارنتها بغير المدخنين.

وأسفرت النتائج عن أن التدخين يقود إلى اختلال التوازن في أعداد بكتيريا الفم، إذ كانت البكتيريا العقدية المتحورة (Streptococcus mutans) - وهي المساهم الرئيسي في التسوس وتفكيك مينا الأسنان - منتشرةً بصورة أكبر لدى المدخنين مقارنةً بغير المدخنين. كما أن البكتيريا العصوية اللبنية (Lactobacillus spp) - التي تترافق مع آفات تسوس الأسنان النشطة - كانت سائدة أيضاً لدى المدخنين، ومثّلت 91.67 في المئة من مجموع بكتيريا الفيلونيلا (Veillonella spp) المعزولة من المدخنين.

وعن الخطوات البحثية المستقبلية، سيواصل فريق العمل رصد التحلل البيولوجي لمادة الأنثراسين وتحليل مساراته بالنسبة لأنواع أخرى من البكتيريا الفموية المعزولة من لعاب مدخنين وغير مدخنين.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي