pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

قيم ومبادئ

وداعاً عام 1442 هجرياً

قال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)، حين خلق الله السماوات والأرض قضى وقدر عدة الشهور، فقسمها على هذه الشهور بحيث تبدأ السنة الهجرية بشهر محرم، يتبعه شهر صفر ثم ربيع الأول يتلوه ربيع الآخر فجمادى الأول ثم جمادی الثاني، ثم رجب ثم شعبان ثم رمضان ثم شوال ثم ذو القعدة، ثم ختام العام بشهر ذي الحجة الذي نحن فيه.

والأشهر الحرم، حرم الله تعالى فيها القتال، رأفة بالعرب من أجل سفر القبائل وأمن الطرق والمسالك، لتقوم مصالحهم في التزاور، وتبادل المنافع والأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وهذه الشهور متواليات، وهي كافية لقبائل العرب حتى تحج بيت الله الحرام والشهر الرابع هو رجب وهو منفرد عنها، وها نحن اليوم نودع عاماً هجرياً بكل ما فيه من آلام وآمال، ونقف على أعتاب عام جديد، ولا ندري ما يخبئ لنا القدر والمسلم في هذه الحياة على جناح سفر، إما إلى سعادة وإما إلى شقاء دائم، فإن طال عمره وحسن عمله كان طول سفره زيادة له في حصول النعيم المقيم في جنات النعيم، وإذا طال عمره وساء عمله كان طول سفره زيادة في ألمه وعذابه.

ولينظر كل منا كم ضيع من أوقاته في العام المنصرم، وكم فرط في الأعمال الصالحة التي يمكن أن ترفعه إلى أعلى عليين، لقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الغفلة وإهدار الأعمار بلا فائدة بل قد تكون مضرة (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ)، لقد وقع أكثر الناس في الغبن فلم يقدروا قيمة الوقت الذي مضى، ونسوا أو تناسوا أنه لن يعود حتى يلج الجمل في سم الخياط!

ولنتأمل فيما مضى من هذا العام من كثرة الكوارث وتنوعها، التي عمت البشرية كلها، فمن رياح عاتية وأعاصير وحرائق مهلكة وأمراض وأوبئة وحروب فانية وهرج وزلازل وفيضانات غمرت البيوت وأهلكت الحرث والنسل، في مقابل كثرة الفساد والانحلال والفجور! فلم تقابل هذه القوارع بما يجب من التوبة والإنابة والخوف، وإنما استرسال بموات الغفلات ولهو ولعب في هذه الحياة.

ولنتأمل في هذه الحوادث فإنها تقع في ملك الله تعالى بمشيئته وعلمه وكتابته لها وخلقه، وهو على عرشه استولى على العالم العلوي والسفلي بقدرته وقهر الجميع بعظمته، كما أنه جل في علاه صرّف أنواع الوعيد في هذه الحياة، من أجل أن يوقظ قلوباً غافلة، ويستيقظ بعض من غمرتهم الحياة الدنيا بزينتها ولهوها ولعبها.

والخوف كل الخوف أن نرى الآيات ولا نعتبر بها، فنری انحسار البحار رغم عمقها واهتزاز الأرض بعد سكونها! وتصدع الجبال بعد رسوخها! ولا تهتز القلوب، ولا تخاف النفوس، ولا تنفطر الأكباد! من هذه القوارع والزواجر!

بل إنك تجد الخلق أكثرهم قد قست قلوبهم وغلظت أكبادهم، وتتابعت عليهم الظلمات بعضها فوق بعض، فعظم الحجاب بينها وبين خالقها، واستمرت في جرأتها على المعاصي، وتضييع الواجبات وتجاوزها لحدوده، والتفريط في أمانتها وإضاعة للحقوق، فإلى متى هذه الغفلة؟

وها نحن نستقبل عاماً جديداً، جعل الله فيه لنا محطات نتزود بها ما نحتاج من علم وتقوى وهدى، لنواجه مصاعب الحياة ونتخفف بها من الأوزار التي حملناها على ظهورنا بغفلتنا وجهلنا، هذه المحطات منها يومية وأسبوعية وشهرية وسنوية، وهي من رحمة الله تعالی بنا قبل أن يوافينا الأجل.

فمثلا الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، تحصل لك بها الأجر ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.

هذه هي الحياة اختصرها الله تعالى لنا بقوله واعبد ربك حتى يأتيك اليقين. أي لا تفارق العبادة حتى تموت.

الخلاصة

قال تعالى: (وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا).

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي