pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

من الخميس إلى الخميس

أيام التوحيد

إنها أيام وليالٍ عظيمة هذه التي نعيشها الآن.

عشرةُ أيامٍ وعشرُ ليالٍ من ذي الحجة خصّها الله - عزّ وجّل - بقسم عظيم في كتابه العزيز (وَالْفَجْرِ. وَلَيَالٍ عَشْرٍ. وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ. وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ. هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ)، كما أخبرنا رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - مؤكداً أهمية هذه الأيام فقال: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»، فقالوا: يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا الجهاد في سبيل الله إلا من رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع بذلك من شيء».

إنها رحمة مهداة يمدّها الله تعالى لنا في هذه الأيام، ثم تجد من بين المسلمين الذين تتلى عليهم آيات الله ليلاً ونهاراً، تجد منهم من يزدادون بُعداً عن الله ولا يغتنمون تلك الواحات المهداة من خالقهم ليعيدوا لأرواحهم توازنها وينعموا براحة النفس، إنها نعمة عظيمة يغفل عنها الكثيرون.

إن عظمةَ هذه الأيام مصدرها ما أمر الله تعالى به رسوله بقوله: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)، إنه أمرٌ للناس لتلبيه نداء الحج، نداء الحج الذي يتعرف به الناس على أنفسهم وعلى غيرهم ويتعلموا معنى لا إله الا الله والمساواة بين البشر، مؤتمر سنوي عام تتجلى فيه حكم عبادة الحج وغايته.

إننا نتعجب ممن ينشغلون بالدنيا وحدها، ويقضون جُل حياتهم في وهم الصراع وتنحرف نفوسهم عن جمال التوحيد وصفاء العبادة، وهم يغفلون عن عظمة هذه الأيام التي يكرر المسلم فيها كل يوم وليلة وفي أي مكان على وجه الأرض يكرر نداء التوحيد (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد)، تكبير لله وحده وإقرار بوحدانيته سبحانه، وللأسف هناك الملايين اليوم ممن يدعون غير الله وينادون بشراً يسألونهم حاجاتهم تحت تبريرات يخدعون بها أنفسهم، هؤلاء أضاعوا نعمة التوحيد ولم يروا آيات الله من حولهم، ولم يتعظوا برحمة الله التي تغطيهم ولا يُبصرون العبر التي تطوف أمام أعينهم.

إننا في هذه الأيام المباركة ندعو الله أن يستفيد منها كل مسلم و يهدي بها الله كلَ إنسان على هذا الكوكب، فتعاليم الإسلام في حقيقتها هدية لبني البشر تنشر بينهم الرحمة والمساواة والعدل وتجعل من الإنسان، كل إنسان، خليفة في الأرض يسعى لتعميرها ونشر الأخلاق فيها على قواعد التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده.

ولعلنا في هذه الأيام المباركة ونحن نشهد ونرى على أرض الواقع المساواة بين البشر باصطفافهم بعد أيام فوق عرفة لا يتمايزون فيما بينهم، لعلنا ونحن نرى تلك التعاليم نكتشف لماذا تحارب شياطين الجن والإنس هذا الدين العظيم حيث النفوس الشريرة والمتكبرة لا ترضى بالعدالة والمساواة بين بني البشر، من أجل هذا يُحارَب الدين الإسلامي، ومن أجل هذا يكره الطغاة ديننا الحنيف.

إذاً لِمَ يُقسم الله - عز وجل - بأيامنا هذه ولِمَ يطلب من ذوي العقول أن يتفكروا بهذا القسم إلا من أجل أن يسعى الإنسان للاستفادة من روح هذه الأيام ومعانيها وعبرها، كل إنسان يسعى لإخلاص العبادة لله وللعدالة والحرية والمساواة سيراها ويلمسها في شعائر هذه الأيام.

إنها ليالٍ وأيام عظيمة فلنعد فيها إخلاص العبادة لله وحده ولننادي بمساواة البشر والعدالة بينهم.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي