pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

رؤية ورأي

مفهوم التعايش بين محمد المحفوظ وعبيد الوسمي

أزعجتني جزئيّتان في مقطع فيديو رائع، انتشر أخيراًعبر منصة «واتساب»، مجتزأ من إحدى حلقات البرنامج الحواري «الخط الأبيض» الذي تبثّه قناة الثقافيّة التابعة للتلفزيون السعودي الرسمي. هذه الحلقة تم بثّها على الهواء مباشرة في عام 2015، إبّان الحملة الإعلامية المكثّفة للمملكة لمواجهة التطرّف، وكان عنوانها «شبابنا بين مصيدة التطرّف والتشدّد»، واستضيف فيها الشيخ الدكتور محمد العقيل رئيس قسم الأنظمة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المدرب المستشار المعتمد في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، ومعه المفكر الكاتب في جريدة الرياض الأستاذ محمد المحفوظ، وأربعة من طلبة الجامعات السعوديّين من توجهات أيدلوجية مختلفة.

الكثير من مداخلات هذا اللقاء كانت أشبه بزهور بستان جميل، وإحداها كانت مداخلة الأستاذ المحفوظ – المتضمّنة في مقطع الفيديو المشار إليه - التي جاء فيها أن التعايش هو الشراكة في المصير والاعتراف بحق الاختلاف مع ضرورة المساواة، ولذلك لا يمكن أن نحقّق التعايش إلّا بإعلاء قيمة المواطنة فوق الانقسام الديني والمذهبي.

موسى بهبهاني

رغم إعجابي بالمقطع، إلّا أنه - كما أسلفت في بداية المقال - أزعجني في جزئيتين. الجزئية الأولى متعلّقة بانتقاد الأستاذ المحفوظ رأياً طرحه الشيخ العقيل في اللقاء، وتحديداً قول الشيخ: «نحن مع التعايش، ولكن لا نتنازل عن الحق والحقيقة، وهو تفسير السلف الصالح». ودعم المحفوظ انتقاده بالتساؤل: «ماذا نفعل في تفسير أئمة أهل البيت؟ الآن عندنا مكون أساسي في المجتمع السعودي سلفه الصالح هو أئمة أهل البيت».

انزعاجي نابع من خشيتي من أن يكون لاعتراض المحفوظ تبعات سلبية على مفهوم التعايش لدى المشاهد. وتمنّيت لو أن المحفوظ أكد في تعقيبه أن مفهوم التعايش في المجتمعات المتحضرة المتآلفة لا يتضمن تغيير عقائد الناس، ولا تمييعها لتكون مُهجّنة توافقية.

وأما الجزئية الثانية المزعجة المرتبطة بالمقطع، فتتمثّل في تناقض العديد من مؤيدي المفهوم الراقي للتعايش الذي طرحه المحفوظ، لأنهم في الوقت ذاته يؤازرون سياسياً نوّاباً تشوب سجلّاتهم السياسية والبرلمانية تصريحات وممارسات وتشريعات إقصائية متطرّفة! ورغم كثرة الأمثلة إلّا إنني سأكتفي بالإشارة إلى مَنْ يعتبرونه أيقونة التعايش والوحدة الوطنية النائب الدكتور عبيد الوسمي، الذي حصد ما يزيد على 43 ألف صوتاً في الانتخابات التكميلية الأخيرة، من مختلف شرائح المجتمع الكويتي.

الوسمي أحد النوّاب الأساسيين - إن لم يكن الأساس - في إعداد وإقرار قانون إعدام المسيء الذي تمّت صياغته بتجاهل تام للآراء الفقهية المغايرة. وعندما سألتّه إحدى الحضور في ندوة عقدت في مايو 2013 عن سبب التناقض بين شعاراته وبين دوره في تشريع قانون الإعدام، لم يُقرّ بخطئه، بل جدّد التذرّع بالمسوّغ ذاته الذي كتبه هو في المذكرة التفسيرية للقانون، وهو مبدأ التناسبية مقارنة بعقوبة الحبس لمدّة عشر سنوات في جريمة الإساءة للذات الأميرية، مجدّداً بذلك تجاهله للاختلافات الفقهيّة الشاسعة في تعريف الإساءة للذات الإلهية والقرآن الكريم والأنبياء والرسل. المراد أن هذا التجاهل مخالف صراحة لمفهوم التعايش الذي يُنادي به المحفوظ.

مَنْ يدعي أنه يتبنى التعايش وفق مفهوم المحفوظ، عليه أن يطالب الوسمي، ومَنْ في حكمه من النوّاب الذين شرّعوا قوانين بصياغة أسقطت قيمة المواطنة أسفل الانتماءات المذهبية، بتبنّي إلغاء عقوبة الحبس في قضايا الرأي المنصوص عليها في ما يعرف بنصوص «تجريم الإساءة» المتضمنة في العديد من القوانين، لأن صياغتها لا تراعي الآراء الفقهية لمكون أساسي في المجتمع الكويتي. أو على أقل تقدير، يطالبهم بتبنّي إعادة صياغة تلك النصوص لتحصّن أئمة أهل البيت - عليهم السلام - من الإساءة باعتبارهم سلفاً صالحاً... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».

abdnakhi@yahoo.com

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي