pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

الاعتداء على المرأة... اعتداء على تونس

تعطي الفوضى التي عمّت قاعة مجلس النواب التونسي، فكرة عن مدى التراجع الذي شهده أخيراً هذا البلد العربي الذي كان في الماضي مزدهراً وآمناً ومستقرّاً وقدوة في مجال حقوق المرأة.

أخطر ما كشفه اعتداء النائب الصحبي صمارة، الذي ينتمي إلى ائتلاف الكرامة الإسلامي، على رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، أنّ «ثورة الياسمين» لم تحقّق الآمال المعقودة عليها.

موسى بهبهاني

فبعد ما يزيد على عشر سنوات على سقوط نظام زين العابدين بن علي، يتبيّن كم هو خطر أن يتولى «الاخوان المسلمين» مسؤولية السلطة احد البلدان.

الاخوان موجودون في تونس عبر حزب النهضة. يشغل زعيم الحزب راشد الغنوشي موقع رئيس مجلس النوّاب وهو يطمح الى أن يكون رئيساً للجمهوريّة يوماً.

يتحكّم الغنوشي بكلّ شيء في البلد في ظلّ رئيس للجمهوريّة هو قيس سعيّد تبيّن أنّه ليس في مستوى المسؤولية... وعاجز عن مواجهة الأخوان المسلمين.

قوبل اعتداء صمارة على موسي بموجة إدانة واسعة شملت رئاسة الحكومة واتحاد الشغل، فضلاً عن أحزاب وجمعيات مدنية وحقوقية وشخصيات مستقلة أظهرت تعاطفها مع زعيمة الحزب الدستوري الحر وطالبت بتدخل القضاء لمعاقبة المعتدي.

ووفق مقطع مصور تداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعي قام صمارة من مكانه وتوجه إلى رئيسة الدستوري الحر (16 نائباً من 217) وصفعها، بينما كانت تقوم يوم الأربعاء الماضي، عبر هاتفها، ببث مباشر لجلسة الموافقة على قانون يتعلق باتفاق بين الحكومة وصندوق للتنمية لفتح مقر له في تونس.

كما تعرضت موسي للتهديد والشتم من جانب النائب سيف الدين مخلوف، رئيس كتلة ائتلاف الكرامة.

قالت عبير موسي، التي ارتدت سترة واقية من الرصاص، إنها لا تستطيع دخول البرلمان والبقاء فيه من دون بث مباشر عبر هاتفها، خشية تعرضها لاعتداءات جسديّة من نواب معارضين لها.

وكتبت في تدوينة على صفحتها بموقع «فيسبوك»، «هذا وجههم الحقيقي... عنف... احتقار للمرأة... قذف المحصنات... تغول... مغالبة».

لم تكن تلك المرة الأولى التي يشهد فيها البرلمان تحت رئاسة الغنوشي أحداث عنف وعراكاً بالأيدي، وهو ما يعتبره مراقبون دليلاً على فشل ما بات يعرف بالانتقال الديموقراطي في تونس، وأن الإسلاميين الذين يستفيدون من هذه الفوضى، ويريدون المحافظة عليها وتوسيع دائرتها كي تشمل أهم مؤسسة في النظام السياسي الحالي (مجلس النوّاب) لدفع الناس إلى اليأس من التغيير، وهو وضع يسمح لهم بتنفيذ أجندتهم.

في النهاية، هناك ما هو أبعد من اعتداء للاخوان على امرأة عضو في مجلس النواب.

هناك ما يثير القلق على مستقبل تونس التي يخشى سقوطها في فخّ الاخوان الساعين الى تولي السلطة، كلّ السلطة بعدما استطاعوا اختراق أجهزة الدولة ومؤسساتها وتعطيل دور رئيس الجمهوريّة الذي لا يمتلك سوى الكلام المنمّق لاثبات أنّه لا يزال موجوداً.

بعد «الربيع العربي» الذي بدأ من تونس، كان هناك رهان على أن يكون هذا البلد استثناءً.

عمّت الفوضى ليبيا واليمن ووضع الاخوان يدهم على مصر.

لولا ثورة الثلاثين من يونيو 2013، لما كانت مصر استعادت عافيتها ولكانت سقطت نهائيا في حال من الفوضى... وهذا ما كان يطمح إليه الاخوان الذين وضعوا محمد مرسي في الواجهة.

ما يحدث في تونس حالياً يجعل من الترحّم على عهد بن علي واجبا.

الترحّم واجب على الرغم من الأخطاء الكبيرة التي ارتكبها بعد خلافته الحبيب بورقيبة في العام 1987.

من بين اخطائه الديكتاتورية التي مارسها ثم هيمنة عائلة زوجته الثانية ليلى طرابلسي على الاقتصاد.

الأخطر من ذلك كلّه أن بن علي الغى الحياة السياسيّة ولم يكن يطيق وجود أيّ شخص يمتلك حدّا أدنى من الحيثيّة.

في المقابل، استطاع الرئيس السابق الذي غادر البلد وتوفّى في المنفى بعد «ثورة الياسمين» وشعوره بأنّ عليه اللجوء الى القمع، بناء اقتصاد قويّ.

كان البلد في عهده آمنا وكانت تونس تتقدّم بخطوات ثابتة نحو قيام طبقة متوسّطة تكون عماد المجتمع التونسي.

في غياب بن علي، تراجعت كلّ القطاعات.

هناك خوف حقيقي على «ثورة الياسمين» وعلى كلّ القيم التي جعلت من تونس دولة متقدّمة في ظلّ الأسس التي ثبّتها بورقيبة.

في مقدّم هذه القيم احترام المرأة وحقوقها.

يبدو واضحا أنّ اعتداء «الاخوان»، عبر نوّاب معنيّين، على عبير موسي يستهدف المرأة التونسيّة، التي وقفت في السنوات الأخيرة حاجزاً في وجه وضع حركة النهضة، التي يتزعّمها الغنوشي، يدها نهائياً على البلد واقرار قوانين ذات طابع رجعي تنال من حقوق المرأة.

كان للمرأة دورها في كلّ انتخابات أجريت في تونس في السنوات الماضية.

اقبلت المرأة على صناديق الاقتراع بكثافة لمنع الاخوان من تحقيق انتصارات كاسحة تقود الى انقلاب على كل ما هو حضاري في هذا العالم.

هذه المرّة، هناك خوف على تونس. ما يدفع الى الخوف تلك الوقاحة التي لجأت إليها حركة النهضة، وهي وقاحة لا حدود لها من خلال اعتدائها على رمز تونس الحديثة... هذا الرمز هو المرأة قبل أيّ شيء آخر.

الاعتداء على المرأة اعتداء على تونس وعلى «ثورة الياسمين» وما بقي منها.

هذا اذا بقي شيء في ظلّ التدهور الاقتصادي وبداية ظهور مؤشرات الى انعدام الأمن وانتشار البؤس بأشكاله المختلفة في بعض المناطق التونسيّة.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي