pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

ما في خاطري

أكـواب فارغة

في أحد حفلات لمّ الشمل التي تقوم بها الجامعات، اجتمع الطلبة بعد سنوات من التخرج وأقام هذا التجمع أحد أساتذتهم، فتحدث كل واحد منهم عمّا وصل إليه من ألقاب ومكانة اجتماعية، وبعد عبارات التحية والمجاملة بدأ كل واحد منهم يتأفف من ضغوط العمل والحياة التي تسبب له الكثير من التوتر، فغاب عنهم الأستاذ قليلاً ثم عاد يحمل إبريقاً كبيراً من القهوة ومعه أكواب مختلفة الألوان والمظاهر، فالبعض منها من الكريستال والبعض الآخر كان في منتهى الجمال والتصميم وأكواب من الزجاج والبلاستك، ثم وضع الأستاذ إبريق القهوة ليصب كل واحد منهم لنفسه، فلاحظ الأستاذ أن الطلبة تهافتوا على أخذ الأكواب الجميلة وترك الأكواب العادية فقال لهم الأستاذ: من الطبيعي أن يتطلع الواحد منكم إلى ما هو أفضل، وهذا الذي سبب لكم القلق والتوتر في حياتكم، ولكن في الحقيقة ما أنتم بحاجة إليه هو القهوة، وليس الكوب، ولاحظت كذلك أن كل واحد منكم كان مراقباً للأكواب التي في أيدي الآخرين.

فهذا ما يحدث في حياتنا فترى بعض المسؤولين يتهافت على الصورة الخارجية للمنصب، فيتباهى بها وقد يصل الأمر عند البعض أن يعامل الآخرين بكبر وتعالٍ فيظن أنه قد ملك الدنيا وما فيها، وهو في الحقيقة موظف كالبقية، والمطلوب منه خدمة الآخرين، ويتناسى أن الأمور الصورية التي يتسّمك بها ما هي إلا غطاء خارجي، ليس مهماً، بقدر أهمية عطائه وأدائه وإنتاجيته في هذا المنصب، وهذه الأفكار والسلوكيات أثّرت على الآخرين بشكل كبير، فأصبح البعض ينجذب لها ويقيم الآخرين عليها، وأصبح الكل يراقب «المظهر الخارجي» عند الآخر، وهذا الأمر ينسحب كذلك على بعض شبابنا الذي بات تفكيره منحصراً فقط على اللقب الذي سوف يسبق اسمه عند تخرجه في الجامعة، وقد أدّى هذا الشيء إلى تخلي بعضهم عن طموحاته وآماله في دراسة بعض التخصصات التي يحبها، فتركها ليتوجه إلى دراسة بعض التخصصات التي ستضيف إليه مسمى ولقباً يتباهى به عند الآخرين، حتى لو كان هذا العمل لا يستهويه، مما يؤدي إلى الشعور بالإحباط والقلق المستمر بعد فترة من الزمن، فالتقييم الحقيقي للإنسان، هو أن يكون عنصراً فعالاً في عمله ومجتمعه باختلاف مسماه ولقبه عند الآخرين.

الألقاب والمسميات هي مكافأة مستحقة لكل مجتهد ولا ضَيْر في ذلك، ومن الجميل أن يفتخر كل شخص باللقب أو بالمنصب الذي وصل إليه، ولكن يجب أن يحتفظ بهذا الشيء لنفسه، وفي الحقيقة هناك الكثير من النماذج التي جمعت بين الصورة الخارجية والجوهر، ونحن فخورون بهم، فتجدهم غاية في التواضع والإنتاجية، وهناك مجموعة أخرى ما هي إلا (أكواب فارغة) يعجبك مظهرها من الخارج، ولكنها في الحقيقة فارغة.

Twitter: @Alessa_815

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي