pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

بوح صريح

أعرف يا أمي

أعرف يا أمي... لم نكونا صاحبتين.

لم أحب طباعك ولم تحبي عنادي وتمردي.

لكنني الآن أعرف يا أمي... لأنني أشبهك أكثر، لم أعد تلك المتزنة المنظمة.

تلك الحكيمة الرصينة والثابتة الشاهقة.

أعرف الآن يا أمي وأفهم، ظل الفراغ بيننا يبعدنا، والفجوة تكبر تأكلنا، فلا كلام أو عتاب أو خصام أو وداع.

معلقتين كنا... الآن وكل هذا الشيب في شعري يأخذني إليك فأشبهك.

تعالي إذاً نترك شعرنا الأشيب مرة ولا نغطّيه. لا نصبغه أو نجامله بل نتفهّمه ونحتويه.

أنت التي لم تحظي بفرصة دخول المدارس والجامعات، والسفر والتجول في مكتبات أوكسفورد وكمبردج ومتاحف لندن وأزقة باريس... غاية أحلامك كانت كنزة صوف صفراء، بكرات صغيرة شقيّة نافرة، وحقيبة عصرية بخطوط مستقيمة.

قلم أحمر شفاه وتنورة قصيرة.

أفهم الآن يا أمي.

كم تأخرت حتى أفهم فاعذريني.

يخيفني الزحام وأهرب سريعاً من الأصدقاء.

أحكم غلق الباب على نفسي.

وأتنعّم بالهدوء، أحب رائحة القهوة أكثر من تذوقها.

وتمايل الستائر مع عبث الهواء.

وحفيف الشجر ليلاً... ماذا يقول من خلف زجاج النافذة، وكيف يناديني للغابة العتيقة في لبنان.

حين كنت طفلة والعالم وردي حالم.

بابا يحملني وخلفنا شلال بيتنا في بعلشمية بحمدون.

الضفادع تحدق بنا، أتشبث بمعطفه، وأحلم أن كل الدنيا هي حضنه، وأنني لن أغادر أو أسقط منه أبداً...

أسامحك يا أمي.

وألوّح وداعاً.

رجوتك، لا تأتي في منامي ولا تعاتبي وتحدقي من دون كلام، رجوتك.

فأنا أفهم الآن.

أشبهك الآن، انظري لكل هذا الشيب في رأسي؛ رأسي الذي تكرهين، لكثرة الأفكار والطموح والتحليل والغرابة والأسئلة والفلسفة والاختلاف والاغتراب.

كبرت يا أمي.

لم أعد عنيدة متمردة صلبة كالثور وثائرة كالعاصفة... أحب وحدي.

وأحنّ لوحدي. وأشتاق وحدي لوحدي.

أضحك وأحزن لوحدي... وأترقّب الموت كل يوم، لكنه لا يأتي فأعود لوحدي، لا يغريني عقد أو فستان أو سيارة، أو بيت أو عائلة، تكفيني قطعة الخبز هذه وبقايا عشاء الأمس.

زهرة غاردينيا في كأس.

لوحة تأبى الاكتمال وقصيدة تراوغ وتتمنع.

ضيق وصبر قليل.

أبحث عن هروب من عالم مصطنع مزيف الكل فيه متشابه... كالدمى. ألسنا جميعاً في نزهة تطول أو تقصر.

لكنك رحلت سريعاً.

تركت خلفك كراهية وفراقاً وقبحاً لا يحتمله هذا الكون، لماذا كذبتِ علينا يا أمي.

لماذا حدثتنا عن المواسم وألوان الفصول وتورد الوجوه، وبراءة القلوب وعناق الأيدي حول مدفأة الشتاء وحبل الوفاء الطويل.

كبرت يا أمي ولا أجد من يفهمني أو يحب كفاية. تعبت يا أمي.

هل تأخذيني إليك مرة واحدة.

تعانقيني كأنك تحبيني ولو كذباً.

قولي ثانية: كيف كنت تناديني من نافذة المطبخ وأنا بعيدة في بريطانيا.

بأعلى صوتك: «لولووووو.

تعالي كفاية سفر.

ارجعي سامحتك.

على عنادك غرورك تعجرفك وقاحتك... سامحتك فقط ارجعي».

كم أصبح العالم عارياً بعدك.

كم اصبح معقداً.

أشتاق البساطة والنبل يا أمي.

أشتاق لشجرتنا وسدرة الحوش وأغاني «البوني ام» في سيارتك الخضراء.

أشتاق لصوت ماكينة الخياطة وأتخيل ماذا تعدين لي من مباهج.

أشتاق الرائحة الشهية وأنت خلف باب المطبخ تبدعين حلوى المساء، ونحن نتسابق للعق ما تبقى في الوعاء.

كنت أظن انك «نعمات» حتى رأيت اسمك في هوية ببيت خالي «نعمت»! من أين جاءت الألف يا أمي.

التي جمعتنا عمراً بأكمله وكانت وتداً يشدنا إليه.

كانت العصا التي علمتنا الأدب والتهذيب.

الألف التي تشبثت بها عمراً خوفاً من الغرق واليتم والغربة والضياع والنسيان.

أنا ما نسيت يا أمي. هل أنت نسيتِ.

عذري الوحيد أنني كنت أكابر يا أمي.

عذري الوحيد أنني... ما زلت أظن انك - من تحت التراب - تقرئين كلماتي.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي