pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

«الراي» تواكب الاستعدادات لموسم الصيف

سياحة عامرة في البلاد «المنكوبة».. إنها «المعجزة» اللبنانية


- بيار الأشقر:.. لهذا اعتمدتْ الفنادق تسعيرة بالدولار للأجانب
- الموسم واعد واللبنانيون المغتربون باتوا يسترخصون تكاليف الحياة في بلدهم
- لن يكون السواح مجبرين على الدفع بالدولار في المطاعم والملاهي بل يُترك لهم الخيار
- المطاعم تتنافس لاستقطاب الزبائن وتسعّر وفق دولار 6000 ليرة حداً أقصى
- عجلة السياحة الداخلية نشطة على الشواطئ وفي المناطق الجبلية
- لم تعد هناك شاليهات أو كابينات في المجمعات البحرية متوافرة للإيجار
- بدلات الإيجار في المنتجعات البحرية لم تواكب ارتفاع الدولار ما جعلها بمتناول المقيمين وعنصر جذب «لا يُقاوَم» للمغتربين
- أصحاب منازل مطلة على الشاطئ في البترون عمدوا لتأجيرها وانتقلوا للسكن خارجها تلبيةً للطلبات الكثيرة
- «سياحة الدراما» انتعشتْ فشركات الإنتاج ترى في لبنان بلد مقومات لتصوير الأعمال بتكلفة أقلّ من أي وجهة أخرى
- قطاع تأجير السيارات يستعدّ والأسعار تراجعت بنسبة 50 بالمئة «لكن لا يمكننا القبض إلا بالدولار»

بين أزمة وأخرى، يُخْرِج لبنان رأسه من تحت الماء ليأخذ نفساً عميقاً يساعده في مواجهة «الكوارث المتسلسلة».

الصيف بالنسبة إلى «الوطن الغريق» هو شحنة أوكسجين تبث الحياة في رئتيه وتمدّه بالطاقة الضرورية لـ «الصمود».

وموسم السياحة الذي غاب في شكل شبه كلي العام الماضي يعود واعداً هذه السنة ومحمّلاً بالكثير من الآمال التي تأتي «عكس سير» السيناريوات السود التي تحاصر لبنان في ضوء الأزمة الاقتصادية الكبرى التي تثقل كواهل أبنائه.

فهل يكون الصيف «المعجزة المنتظَرة» التي تنتشل اللبنانيين من «جحيمهم الموعود»؟ وهل تستطيع السياحة الداخلية والمحلية تعويضهم عن السياح العرب خصوصاً ثم الأوروبيين الذين اعتادوا إنعاش صيفياتهم... العامرة؟

كل المؤشرات توحي بأن صيف لبنان سيكون «ولعاناً»، وتباشيره بدأت تلوح على الشواطئ وفي المناطق الجبلية كما في حجوزات الفنادق وزحمة المنتجعات البحرية والسياحية. ومَن يرى زحمة السير على الطرق الرئيسية وفي المرافق السياحية يدرك أن البلد يكافح صعوداً في عكْس طريق الجحيم. ومَن لا يعرف اللبنانيين جيداً قد يتفاجأ بما يحدث وبهذه الفورة السياحية، فكيف لشعب يعاني ما يعانيه من أزمات متنوّعة قادرة على سحق أي شعب آخَر أن يقف على قدميه متحدّياً كل الصعوبات وناظراً الى الغد بعين الأمل؟

بمقيميه ومغتربيه.. لبنان يستعيد دوره السياحي

«نحن شعب تَمَرَّسَ بإدارة الأزمات منذ 40 عاماً» يقول لـ «الراي» نقيب أصحاب الفنادق في لبنان بيار الأشقر «فنحن قادرون على التأقلم مع كل الأوضاع للعمل على التخفيف من الخسائر الناجمة عنها».

ويشرح الوضع السياحي الحالي قائلاً: «مقارنةً مع صيف 2020 وما حَمَله من إقفالاتٍ متكرّرة وحجْر ومنْع سفر وتحديد لعدد القادمين عبر المطار، يبدو موسم الصيف هذه السنة واعداً جداً مع تخفيف الإجراءات المتصلة بكوفيد - 19 عالمياً. وفي حين شهدنا وصول نحو 1500 شخص يومياً إلى مطار بيروت الصيف الماضي نرى العدد اليوم يرتفع إلى نحو 5000 شخص غالبيتهم من المغتربين اللبنانيين».

إذا شئنا تفصيل الوضع السياحي بالأرقام، يمكن القول وفق ما يشرح الأشقر أن ثمة 450000 لبناني في دول الخليج وهم على تواصل دائم مع لبنان ومداخيلهم بالعملة الصعبة، وباتوا يسترخصون تكاليف الحياة في لبنان ويعودون راغبين بالتفسّح والسهر والخروج الى المطاعم والنوادي الليلية ما يساهم في تحريك عجلة كل هذه القطاعات.

يضاف إلى هؤلاء نحو 250000 لبناني مغترب في إفريقيا يتناوبون الإقامة بين لبنان ودول أفريقيا ويعودون مزوّدين بالعملة الصعبة ينفقونها في مناطقهم. وأخيراً هناك ما يقارب 700000 لبناني كانوا يسافرون صيفاً الى البلدان القريبة مثل قبرص وتركيا واليونان وغيرها ضمن مجموعات سياحية وباتت أموالهم اليوم محجوزة في المصارف وغير قادرين بغالبيتهم على السفر ولذا يعمدون الى السياحة الداخلية، وخصوصاً أنهم كانوا مسجونين كما أولادهم في بيوتهم بفعل الجائحة وصاروا يتوقون الى الانفلات والاستفادة من طبيعة لبنان وكل ما تقدمه.

فورة سياحية تنعش كل القطاعات

هذه الأرقام يرافقها تخفيف واضح لإجراءات «كورونا» بما أتاح فتْح المطاعم والملاهي حتى ساعة متأخرة من الليل مع معاودة فتح صالات السينما، وهذا ساهم في إطلاق عجلة السياحة اللبنانية الداخلية، لا سيما على الشواطئ وفي المناطق الجبلية النائية، بحيث لم تعد هناك غرف فنادق شاغرة فيها أو حتى شاليهات أو كابينات في المجمعات البحرية متوافرة للإيجار أو البيع.

ويقول مسؤول عن مجمع بحري إنهم لأول مرة منذ أعوام طويلة يؤجرون كل ما هو متوافر لديهم وما زال الناس يتهافتون يومياً للسؤال ورغبة باستئجار ولو كابين صغير يتيح لهم الوصول إلى الشاطئ ولا سيما أن الأسعار لم تواكب ارتفاع الدولار بل ارتفعت بشكل مقبول جداً يجعلها في متناول المقيمين وعنصر جذب «لا يُقاوَم» بالنسبة للمغتربين الذين يدفعون بالدولار.

ويروي أحد أبناء منطقة البترون الشمالية الساحلية التي باتت مركزاً سياحياً ان أبناء المنطقة الذين يسكنون في بيوت مطلة على الشاطئ عمدوا إلى تأجيرها وانتقلوا للسكن في ضيعهم بغية الاستفادة من بدَل الإيجار وتلبية الطلبات الكثيرة التي لم تعد المنتجعات قادرة على تلبيتها.

هي إذاً المناطق البعيدة تزدهر على حساب مدينة بيروت، ولكن يبقى للعاصمة سحرها وملاهيها والكثير من الزوار المميّزين من قطاعات مختلفة غير السياح العاديين. ويشرح النقيب الأشقر لـ «الراي» قائلاً: «ثمة حضور كبير لرجال الأعمال الأجانب الذين يقصدون بيروت للمتابعة مع وكلاء شركاتهم في لبنان والبحث في الحلول للمشكلة الاقتصادية التي تواجههم، كذلك ثمة حضور كثيف للمنظمات الدولية وأفرادها الذين يتولون مهمات مختلفة في لبنان ولا سيما إثر انفجار المرفأ. وهولاء رغم كونهم ليسوا سياحاً فعليين إلا أنهم يساهمون في إشغال فنادق العاصمة الكبرى. اما السياح الفعليون فعددهم قليل وغالبيتهم من العراقيين الذين يقصدون لبنان بهدف السياحة الطبية».

كذلك يكشف النقيب عن وجود نوع جديد من السياحة التي تشغل الفنادق وتعود الى صنّاع الدراما «فشركات الإنتاج باتت ترى في لبنان بلدأ رخيصاً نسبياً تتوافر فيه كل المقومات الطبيعية والإنسانية لتصوير أعمال ناجحة بتكلفة أقلّ من أي بلد آخر».

هي المعجزة إذاً التي طالما آمن بها اللبناني وانتظرها زالتي تجعله قادراً على تحويل مصائبه مصدراً للصمود إن لم يكن للاستفادة الربحية. ولكن يبقى السؤال هل هذه الفورة «فقاعة» تنتهي مع موسم الصيف؟

فقاعة سياحية أم واقع واعد؟

لا يبدو الأمر مجرد فقاعة، بل كما يقول نائب نقيب أصحاب المطاعم والملاهي والباتيسري خالد نزهة لـ «الراي» إن بيروت التي اختيرت في العام 2016 كأفضل وجهة سياحية بالنسبة للمطاعم لا تزال تحتفظ بدورها هذا «ومطاعم لبنان من بين الأفضل عالمياً ويتم تصديرها الى مختلف دول العالم. ولذلك من المتوقع هذا الصيف ان يكون الموسم السياحي حافلاً وأن يساهم في تحسين العجلة الاقتصادية على المدى الطويل».

ويؤكد نزهة ان قطاع المطاعم الذي كان يضخ نحو 9 مليارات دولار في الاقتصاد اللبناني ويُعتبر من أكبر القطاعات المُنْتِجة في البلد مستعدّ لاستعادة دوره واستقبال السياح ولا سيما من بين المغتربين والمقيمين. ويؤكد أن اللبنانيين الذي كانوا يسافرون الى الخارج وينفقون ما يقارب 5 مليار دولار في بلدان أخرى سيساهمون في إنعاش السياحة الداخلية ومَن يتلقى مبالغ من الخارج سيجد نفسه قادراً على الخروج الى المطاعم والملاهي مرات عدة في الأسبوع نظراً لانخفاض الأسعار وارتفاع قدرته الشرائية".

ويأمل نزهة كما كل القيّمين على القطاعات السياحية أن يتم فتح الخط العربي الذي يربط لبنان بسورية فالأردن لأنه يساهم في تدفق السياح من البلدان العربية الى لبنان، موضحاً «أن العراقيين يشكلون اليوم النسبة الأكبر من السياح العرب لكن لبنان يفتح ذراعيه لكل أشقائه العرب الذين اعتادوا قضاء الصيف فيه أو حتى الحضور بطائرات خاصة لحضور حفلة موسيقية أو مهرجان او إقامة حفل زفاف أو مناسبة في لبنان».

أسعار ممتازة ترحّب بالجميع

الجميع يؤكدون أن الأسعار مدروسة ومقبولة بشكل كبير. وعلى خلاف ما يشيعه البعض، لن يكون السواح مجبرين على الدفع بالعملة الصعبة في المطاعم والملاهي بل يُترك لهم الخيار فإما بالدولار أو بما يعادل قيمته بالليرة في السوق الموازية.

أما في الفنادق فيقول الأشقر «اعتمدنا تسعيرة بالدولار للأجانب فقط حتى نتمكن من الحصول على بعض العملة الصعبة الضرورية لمواجهة ما يمكن أن يطرأ من أعطال فنية وتقنية في الفنادق يتطلب تصليحها وجود دولارات. وعدا ذلك فسيلاحظ جميع السياح أن أسعار الخدمات السياحية على اختلافها باتت زهيدة جداً نسبةً إلى نوعية الخدمات المقدَّمة».

فالمطاعم مثلاً، وفق نزهة «باتت تتنافس فيما بينها لاجتذاب الزبائن كما أنها لا تحتسب الدولار على قيمة 13000 أو 14 ألف ليرة كما هو متداول اليوم بل اعتمدت حداً أقصى هو 6000 ليرة ما جعل الأسعار ممتازة لا سيما بالنسبة للقادمين من الخارج. وقد تختلف الأسعار بين مطعم وآخَر بلا شك ما يترك الحرية للسائح لاختيار ما يناسبه مع وجود لائحة أسعار موافَق عليها ومختومة من وزارة السياحة». ويؤكد «أن ربح المطاعم قد تراجع كثيراً والقصد هو الاستمرارية وتمرير المرحلة الحالية في انتظار أيام أفضل».

قطاعاتٌ كثيرة تستعدّ، فشركاتُ تأجير السيارات بحسب ما تقول السيدة نهى فغالي المسؤولة عن إحداها بدأت تتلقى الحجوزات من الخارج: من لبنانيي الخليج وأميركا واستراليا وفرنسا وغيرها، وتقول لـ «الراي»: «خفّضنا أسعارنا بنسبة 50 بالمئة وأكثر، فالسيارة التي كانت تؤجر بـ 500 دولار صارت اليوم بمئتين. لكن لا يمكننا إلا القبض بالدولار ذلك أن قِطع السيارات وصيانتها وتصليحها يتم بالعملة الصعبة ولا يمكننا المخاطرة وتحمل فارق الدولار».

لكن فغالي كما غيرها من العاملين في القطاع السياحي يمسكون قلبهم على يدهم من حدوث أي خضّة أمنية أو أزمة معيشية قد تعرقل الفورة السياحية مثل انقطاع البنزين الذي يمكن أن يفرمل كل الحركة السياحية.

الفنادق، المنتجعات البحرية، بيوت الضيافة، الملاهي الليلية، صالات الأعراس، الموسيقيون، شركات تأجير السيارات، مصممو الأزياء، متعهدو الصوت والإضاءة، وغيرها الكثير من القطاعات التي تدور حول السياحة مستعدة لموسم صيف واعد والمغتربون يتحضّرون للعودة بعد انقطاع دام لسنتين. فالظروف الأمنية ملائمة ومضبوطة والظروف الاقتصادية تجعل لبنان من أرخص البلدان شرط أن يعي المعنيون مسؤولياتهم ويبادروا إلى تأليف حكومة تيسّر أمور هذا الشعب الذي لا ينفك يصنع الفرح في انتظار... الفَرَج.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي